رهانات سلبية غير مسبوقة على الدولار.. هل تفقد العملة الأمريكية بريقها العالمي؟
تشهد الأسواق المالية العالمية تحولًا لافتًا في مزاج المستثمرين تجاه الدولار الأمريكي، مع تزايد القلق بشأن استقرار السياسات الاقتصادية في الولايات المتحدة وتداعياتها على مكانة العملة الخضراء كملاذ آمن لرؤوس الأموال العالمية. وفي الوقت الذي ظل فيه الدولار لعقود طويلة العملة الأكثر هيمنة في التجارة الدولية والاحتياطيات النقدية، تشير مؤشرات حديثة إلى أن مديري الصناديق الاستثمارية باتوا أكثر تشاؤمًا بشأن مستقبله، وسط رهانات متزايدة على استمرار تراجعه خلال الفترة المقبلة.
ويأتي هذا التحول في ظل ضغوط سياسية واقتصادية متشابكة، تتراوح بين السياسات التجارية المتشددة، والتوترات الجيوسياسية، والضغوط على استقلالية البنك المركزي الأمريكي، ما يدفع المستثمرين لإعادة تقييم تعرضهم للأصول المقومة بالدولار. كما أن توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية وتراجع الفجوة بينها وبين اقتصادات كبرى أخرى تعزز من احتمالات ضعف العملة، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة توزيع رؤوس الأموال عالميًا ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق المالية. وفقًا لتقرير صحيفة فايننشال تايمز
تشاؤم استثماري غير مسبوق تجاه الدولار
أظهر استطلاع أجرته مؤسسة Bank of America أن مديري الصناديق الاستثمارية اتخذوا أكثر موقف تشاؤمي تجاه الدولار منذ أكثر من عقد، حيث وصلت رهاناتهم السلبية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2012. ويعكس هذا التوجه انخفاض العملة الأمريكية بنحو 1.3% منذ بداية العام، إضافة إلى تراجع حاد بلغ نحو 9% خلال عام 2025، ما أدى إلى اقتراب الدولار من أدنى مستوياته خلال أربع سنوات.
ويرتبط هذا التراجع بتزايد المخاوف من السياسات الاقتصادية غير المتوقعة في الولايات المتحدة، والتي دفعت المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول المقومة بالدولار، خاصة مع تصاعد التوترات التجارية وفرض رسوم جمركية واسعة أثارت اضطرابات في الأسواق العالمية. وتشير بيانات سوق الخيارات إلى أن الرهانات على تراجع الدولار تفوقت على التوقعات الإيجابية، في تحول واضح عن الاتجاه الذي كان سائدًا في نهاية عام 2025.
تحولات استراتيجية لدى كبار المستثمرين العالميين
بدأت مؤسسات استثمارية كبرى في تعديل استراتيجياتها المالية، حيث اتجهت صناديق التقاعد والمؤسسات الاستثمارية الكبرى إلى تقليل اعتمادها على الدولار أو التحوط ضد تراجعه المحتمل. ويرى خبراء في شركة Vanguard أن التقلبات التي شهدتها الأسواق خلال العام الماضي دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في مستويات التحوط المنخفضة التي كانوا يحتفظون بها سابقًا تجاه الأصول الأمريكية.
كما أعلنت JPMorgan Asset Management أنها عززت رهاناتها ضد الدولار مؤخرًا، مشيرة إلى أن بيئة خفض أسعار الفائدة المتوقعة قد تؤدي إلى تآكل الميزة التي كان يتمتع بها الدولار نتيجة ارتفاع عوائده مقارنة بالعملات الأخرى. ويعكس هذا التحول رغبة المستثمرين في تنويع محافظهم الاستثمارية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة.
توقعات خفض الفائدة تضغط على العملة الأمريكية
رغم أن أسعار الفائدة الأمريكية لا تزال أعلى من نظيراتها في اقتصادات كبرى مثل منطقة اليورو واليابان، فإن الأسواق تتوقع تقلص هذه الفجوة خلال الفترة المقبلة، مع ترجيحات بقيام Federal Reserve بخفض الفائدة مرتين هذا العام. ويؤدي هذا التوجه إلى تراجع جاذبية الدولار في ما يعرف بتجارة العائد، والتي كانت تعتمد على الفارق في أسعار الفائدة بين العملات.
وتزايدت حالة القلق في الأسواق بعد تعيين Kevin Warsh رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي، إذ رحب المستثمرون بدايةً بتعيينه باعتباره شخصية تقليدية قد تحافظ على استقلال البنك المركزي. إلا أن تصريحات الرئيس Donald Trump التي ألمحت إلى تأثيره على قرارات السياسة النقدية أعادت المخاوف بشأن تدخلات سياسية محتملة في عمل البنك المركزي، ما أضعف ثقة المستثمرين في الدولار.
توترات جيوسياسية تزيد الضغوط على الأسواق
ساهمت التوترات الدولية في تعزيز الضغوط على العملة الأمريكية، خاصة بعد أزمة جزيرة جرينلاند التي أثارت مخاوف من تصعيد عسكري أو فرض رسوم جمركية إضافية على حلفاء الولايات المتحدة. ورغم تأكيد وزير الخزانة Scott Bessent أن بلاده لا تزال تتبنى سياسة الدولار القوي، فإن الأسواق استمرت في التشكيك في استقرار هذه السياسة.
كما أثارت تحركات واشنطن لدعم عملات أجنبية، مثل البيزو الأرجنتيني، مخاوف من احتمال سعي الإدارة الأمريكية إلى إضعاف الدولار لدعم الصادرات وتعزيز التصنيع المحلي. ويرى خبراء في شركة Aberdeen Group أن هذه التوجهات قد تكون أحد العوامل التي دفعت الأسواق إلى التعامل بجدية مع احتمالات تدخلات في سوق العملات بين الولايات المتحدة واليابان.
تدفقات رأسمالية عكسية تعيد تشكيل المشهد المالي العالمي
تشير تقارير من شركة Schroders إلى أن بعض المستثمرين الأجانب بدأوا بالفعل إعادة تحويل أموالهم إلى عملاتهم المحلية، في ظاهرة تعرف بتدفقات إعادة التوطين، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على الدولار في الفترة المقبلة. ويعكس هذا الاتجاه تزايد القلق بشأن استقرار الاقتصاد الأمريكي وجاذبية أصوله الاستثمارية.
ويرى محللون أن استمرار هذه التدفقات قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في توزيع رؤوس الأموال عالميًا، خاصة إذا تزامن مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية الأمريكية. كما أن أي تراجع إضافي في الدولار قد يؤثر على التجارة العالمية وأسعار السلع والاستثمارات الدولية، ما يجعل مستقبل العملة الأمريكية محل متابعة دقيقة من قبل الأسواق والمؤسسات المالية حول العالم.



