ذهب سام.. الزئبق يفتك بسكان الأمازون ويدخل أسواق العالم

في قلب غابات الأمازون المترامية الأطراف، يتكشف فصل مأساوي من قصة الذهب البرازيلي الذي يلمع في الأسواق ويُطفئ الحياة في موطنه الأصلي. فالسكان الأصليون الذين عاشوا قرونًا على صيد الأسماك ومياه النهر النقية، أصبحوا اليوم أسرى سمٍّ صامت يقتلهم ببطء. الزئبق المستخدم في التعدين غير الشرعي لوّث الأنهار التي كانت شريان الحياة، وحوّل الطبيعة الخصبة إلى بيئة مسمومة. وبينما يواصل المنقبون مغامراتهم بحثًا عن الثراء، تدفع القرى المعزولة الثمن الصحي والبيئي الباهظ، في مأساة تتجاوز حدود البرازيل لتصل إلى متاجر المجوهرات في قارات أخرى. إنها قصة ذهب يلمع بالموت لا بالثروة.
مأساة عائلة واحدة.. ومأساة وطن بأكمله
في قرية ساوري موبيو النائية بولاية بارا، تقف الشابة سيليا ساو (27 عامًا) من قبيلة الموندوروكو شاهدة على جرح لا يندمل. فقد فقدت جنينها في الشهر الثالث بعد أن تلوثت مياه الشرب بالزئبق الناتج عن التعدين غير الشرعي. تقول سيليا: “نساءنا خائفات من الحمل، لا نعرف إن كنا سنلد أطفالًا أصحاء.” دراسة علمية عام 2021 كشفت أن ستة من كل عشرة أشخاص في قريتها يحملون مستويات من الزئبق تفوق الحدود الآمنة، فيما أُصيب 16٪ من الأطفال باضطرابات عصبية. قصتها تكرار لمئات القصص داخل الأمازون، حيث تحوّل البحث عن الذهب إلى لعنة تصيب الأمهات والأجنة قبل أن تلمع في الأسواق العالمية.
الزئبق.. السم الصامت في نهر الحياة
يستخدم المنقبون غير الشرعيين، المعروفون باسم “غاريمبيروس”، الزئبق لفصل الذهب عن الطمي، في عملية بدائية تخلف وراءها كارثة بيئية ضخمة. وفق تقديرات منظمة WWF، يتسرب نحو 150 طنًا من الزئبق سنويًا إلى نهر الأمازون، حيث يتحول إلى مركب سام يُعرف بالميثيل زئبق، يتراكم في الأسماك التي تشكل المصدر الأساسي للبروتين في غذاء السكان. في القرى الثلاث التي شملتها الدراسات، بلغت مستويات الزئبق في الدم 11 ضعف الحد الدولي المسموح به. وأظهرت النتائج إصابات عصبية لدى الأطفال تشمل ضعف التوازن وبطء النمو وتأخر النطق. يقول الطبيب باولو باستا من معهد “فيوكروز”: “تلك الأضرار دائمة… الزئبق لا يغادر الجسد أبدًا.”
تجارة قاتلة تتخطى حدود الغابة
رغم حظر إنتاج الزئبق في البرازيل منذ سنوات، إلا أن تقارير Instituto Escolhas تشير إلى استيراد نحو 96 طنًا من الزئبق سرًا بين 2018 و2022، لتغذية عمليات التعدين غير الشرعية. بعد فصل الذهب، يُحرق الزئبق ويتحوّل إلى غاز سام تمتصه التربة والنباتات، قبل أن يعود إلى دورة المياه. يقول مارسيلو أوليفيرا من WWF إن التحاليل الميدانية أظهرت أن معدلات التلوث في المناطق البعيدة مئة كيلومتر عن المناجم مماثلة لتلك القريبة منها، ما يعني أن السم ينتشر عبر الرياح والمطر إلى مساحات شاسعة من الغابة. وبذلك، لم تعد الكارثة مقتصرة على مواقع التعدين، بل تحولت إلى وباء بيئي متجذر.
انقسام داخلي يمزّق المجتمعات الأصلية
داخل قبائل الموندوروكو، لم تعد المشكلة مقتصرة على المرض والتلوث، بل امتدت لتخلق صراعًا داخليًا بين من يرى في التعدين مصدر رزق، ومن يعتبره خيانة للطبيعة والأجداد. فبينما يرى الزعيم المحلي فالديريو مانهـواري أن التنقيب “ضرورة اقتصادية” بعد انهيار فرص العمل، يؤكد الزعيم التقليدي جوارِس ساو أن الثمن الصحي والبيئي لا يُحتمل. يقول جوارِس بأسى: “لقد فقدنا ثلاثة أطفال في عام واحد بسبب الإجهاض.” هذا الانقسام عمّق معاناة السكان الأصليين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الفقر وسندان السم، بينما تستغل عصابات التعدين ضعف الدولة لتنشر نفوذها داخل أراضٍ كانت محمية منذ قرون.
جهود حكومية محدودة أمام أزمة متشعبة
منذ عودة الرئيس لولا دا سيلفا إلى الحكم، حاولت الحكومة استعادة السيطرة على المناطق المتضررة عبر حملات عسكرية لطرد المنقبين من الأراضي المحمية. غير أن الأزمة تتجاوز الطرد الميداني إلى ثغرات قانونية سمحت بتسرب الزئبق مجددًا إلى السوق. النيابة الفيدرالية دعت إلى حظر استيراده واستخدامه نهائيًا، لكن البيروقراطية والضغوط الاقتصادية تعيق التنفيذ. ويرى خبراء أن الحل يتطلب تعاونًا دوليًا صارمًا لمراقبة سلسلة توريد الذهب، إذ تُظهر البيانات أن جزءًا من الذهب الملوث من الأمازون ينتهي في مصافي الشرق الأوسط ومتاجر المجوهرات في الهند وأوروبا، ما يجعل العالم كله شريكًا في هذه الجريمة البيئية.
ذهب ملوث يلمع فوق جثث الأبرياء
وراء بريق الذهب الذي يزين أعناق الأغنياء، تختبئ مأساة إنسانية في قلب الأمازون. فالأسماك التي كانت غذاء الأطفال تحولت إلى مصدر للسموم، والأمهات اللواتي انتظرن الحياة وجدن الموت في أحشائهن. تقول سيليا ساو بمرارة: “هم لا يشترون ذهبًا… إنهم يشترون حياتنا ومستقبل أطفالنا.” كلماتها تختصر مأساة قارة بأكملها. فبينما ترتفع أرباح تجار الذهب في البورصات العالمية، يزداد الفقر والمرض في القرى المطلة على النهر. ومع استمرار صمت المجتمع الدولي، يبقى الزئبق ينساب في دماء الأمازون، شاهداً على أن بعض الثروات لا تُصنع إلا من الألم.



