الجارديان: كيف أصبحت موسكو تتفوق على الغرب في لعبة الخداع المعلوماتي
في تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، تناول الكاتب جوزيف بيرسون التحول في ميزان القوة الإعلامية بين الغرب وروسيا، مشيراً إلى أن موسكو باتت تتفوق في حرب المعلومات التي كانت يوماً ما سلاح الغرب الأقوى خلال الحرب الباردة. يستعيد بيرسون مثال جسر برلين الجوي عام 1948 ليؤكد أن الغرب استخدم حينها أدوات الدعاية والتضليل بمهارة لتحقيق النصر المعنوي، بينما اليوم أصبح متمسكاً بالشفافية لدرجة أفقدته فاعلية الرد على الدعاية الروسية. ويرى أن أوروبا بحاجة إلى استعادة “روح المواجهة” التي امتلكتها في الماضي، من خلال توظيف أدواتها الإعلامية والتكنولوجية بذكاء لمواجهة التهديدات المعلوماتية دون التفريط في القيم الديمقراطية.
من برلين إلى بوتين: من يصنع الرواية الأقوى؟
يشير بيرسون إلى أن جسر برلين الجوي (1948–1949) كان أول نموذج ناجح لحرب إعلامية غربية. فالقصة الرسمية عن “حصار ستالين وتجويع المدنيين” حشدت الرأي العام الغربي رغم أن الوثائق البريطانية آنذاك تؤكد أنه لم يكن هناك حصار فعلي وأن الحركة داخل المدينة كانت ممكنة. ومع ذلك، نجحت القصة في ترسيخ صورة الغرب المنقذ، وساعدت في إعادة انتخاب هاري ترومان.
الكاتب يسأل: “هل كان تضليل الجمهور خطأ؟ نعم. لكنه كسب الحرب الباردة”.
من كان يُتقن اللعبة؟
الغرب، كما يقول بيرسون، امتلك آنذاك أدوات “القوة الناعمة الموجهة”:
إذاعات مثل RIAS وراديو أوروبا الحرة.
بعثات ثقافية مثل “شكسبير بين الأنقاض” البريطانية.
ومراكز تعليمية أمريكية داخل ألمانيا الغربية.
أما اليوم، فقد تراجع التمويل والإرادة السياسية. الرئيس الأمريكي السابق ترامب أوقف مركز الانخراط العالمي المخصص لمواجهة التضليل، بينما قلّصت بريطانيا تمويل المجلس الثقافي البريطاني وألمانيا خفّضت ميزانية معهد غوته.
كيف تفوقت روسيا؟
روسيا، برأي الكاتب، فهمت أن الحرب الحديثة تُخاض في العقول لا في الميدان.
منصّات التضليل الروسية – من المصانع الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي العميق (Deepfakes) – تملأ الفضاء الرقمي بسرديات تشكك في الغرب وتكسب التعاطف في الجنوب العالمي.
وتستخدم موسكو أساليب “المنطقة الرمادية” مثل:
بثّ الشائعات عن أسلحة بيولوجية في أوكرانيا.
استخدام الهجمات السيبرانية لبثّ الخوف.
توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لتفكيك الثقة في الديمقراطيات.
ماذا يعني “اللعب القذر” اليوم؟
يرى بيرسون أن الغرب بحاجة إلى استعادة روح الجرأة التي أدار بها حربه الإعلامية ضد ستالين، لكن دون التخلي عن قيم الحقيقة.
ويشير إلى خطوات فعّالة مثل:
حجب قناتي RT وسبوتنيك في الاتحاد الأوروبي عام 2022.
الهجوم السيبراني الأمريكي عام 2018 على وكالة أبحاث الإنترنت الروسية.
لكنه ينتقد بطء المؤسسات الأوروبية مثل خدمة العمل الخارجي الأوروبية (EEAS) التي تراقب التضليل أكثر مما ترد عليه.
خلاصة تحذيرية
يختم الكاتب قائلاً إن الغرب أصبح أكثر صدقاً لكنه أقل شجاعة.
بينما تبث روسيا روايتها بثقة في أوروبا وأفريقيا وآسيا، يتردد الغرب خوفاً من “التصعيد”.
النتيجة: روسيا تكسب الحرب السردية، لأن موسكو ما زالت تعرف أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في الصواريخ، بل في القصص التي يصدقها الناس



