بوتين يشيد بدبابات T-90 رغم خسائر أوكرانيا: بين صورة القوة وواقع الميدان

أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طرح ملف دبابات T-90 إلى الواجهة، خلال مقابلة مع قناة India Today، مؤكدًا أنّها “من الأفضل في العالم”، ومشيرًا إلى أنّ إنتاج هذا الطراز داخل الهند يعكس مستوى عالٍ من الثقة والشراكة الدفاعية بين موسكو ونيودلهي. هذا الخطاب الروسي يعكس رغبة واضحة في تعزيز صورة الصناعات العسكرية الروسية في سوق تقليدي يُعد أحد أهم ركائز صادرات السلاح الروسية. وفي المقابل، تتزايد الشكوك حول قدرة الدبابات الروسية—وفي مقدمتها T-90—على الصمود أمام التطور المتسارع في الأسلحة المضادة للدروع، لا سيما بعد الأداء المتراجع في أوكرانيا. ورغم استمرار موسكو في الترويج للدبابة باعتبارها نموذجًا لتفوقها التكنولوجي، تكشف البيانات الميدانية عن واقع مختلف يُعيد تشكيل فهم القوة المدرعة في الحروب الحديثة، ويفتح الباب أمام تساؤلات عميقة بشأن مدى توافق الدعاية العسكرية الروسية مع الحقائق العملياتية.
الهند بين الشراكة والتوطين العسكري
تمثّل الهند أكبر مشغّل أجنبي لدبابات T-90، مع أكثر من 1100 دبابة قيد الخدمة وأخرى قيد التعاقد، ما يجعلها عنصرًا محوريًا في استراتيجية موسكو للحفاظ على نفوذها داخل السوق الآسيوي. بوتين شدّد على أن التعاون الروسي–الهندي يتجاوز مجرد بيع السلاح ليصل إلى نقل التكنولوجيا الحساسة، في خطوة يصفها بأنها “نادرة” في مجال التعاون العسكري الدولي. الهند تنتج نسختها الخاصة T-90S في مصنع Heavy Vehicles Factory بمدينة أفادي، بالاعتماد على مجموعات توريد روسية مع دمج مكونات محلية بهدف تعزيز توطين الصناعات الدفاعية. هذا النهج يمنح نيودلهي قدرة أكبر على تطوير منظوماتها البرية وتقليل اعتمادها على موسكو، خصوصًا في ظل التحولات الجيوسياسية التي تدفعها إلى تنويع مصادر تسليحها. وفي المقابل، تراهن روسيا على هذا التعاون للحفاظ على وجودها في سوق تسليح يشهد منافسة شرسة من الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، ما يجعل العلاقة مع نيودلهي ركيزة استراتيجية يصعب التفريط بها.

خسائر T-90 في أوكرانيا: أرقام صادمة
ورغم الخطاب الروسي الداعم لتفوق دبابة T-90، تكشف البيانات الميدانية في أوكرانيا صورة مختلفة تمامًا عمّا يروج له الكرملين. فبحسب بيانات مجموعة Oryx المتخصصة في توثيق الخسائر اعتمادًا على الأدلة البصرية، فقدت روسيا ما لا يقل عن 203 دبابات من عائلة T-90 منذ بدء الحرب، بما في ذلك 11 دبابة T-90S كانت مخصصة لعملاء خارجيين قبل تحويلها للاستخدام العسكري الداخلي، إضافة إلى 146 دبابة من النسخة الأحدث T-90M “بريوريف”. وتشدد Oryx على أن هذه الأرقام تُعد “محافظة”، لأنها توثّق فقط الخسائر المؤكدة بالصور والفيديو، ما يعني أن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير. وتبرز هذه البيانات حجم التحديات الميدانية التي تواجهها الدبابات الروسية في بيئة قتالية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الأسلحة المضادة للدروع، والطائرات المسيّرة الهجومية، وفرق الصيد المتخصصة في استهداف العربات المدرعة، ما يقلل من تأثير التفوق النظري الذي تروج له موسكو في خطابها الرسمي.
تحديث T-90M وحدود الأداء القتالي
تعوّل روسيا على النسخة المطوّرة T-90M لتعزيز قدرات قواتها البرية ومجاراة التطور التكنولوجي في ساحة المعركة، إذ تأتي الدبابة بدروع مركّبة محسّنة وأنظمة تحكم متقدمة في النيران، إضافة إلى إلكترونيات محدثة تهدف إلى معالجة نقاط الضعف التي ظهرت في الإصدارات السابقة. ورغم هذه التحديثات، كشفت المعارك في أوكرانيا أن T-90M لا تزال تواجه صعوبة في التعامل مع الأسلحة الغربية المتطورة، مثل صواريخ جافلين والطائرات المسيّرة الانتحارية، التي تمتاز بدقة عالية وقدرة على اختراق الدروع من زوايا حرجة. كما لعبت مركبات القتال الأمريكية برادلي دورًا بارزًا في الاشتباكات القريبة، بعد أن تمكنت من تدمير عدة دبابات روسية في مواجهات مباشرة. هذه الخبرات الميدانية تطرح تساؤلات صارخة حول مدى قدرة تحديثات T-90M على الصمود أمام تهديدات حديثة تتطور بسرعة تفوق قدرة الجيوش على التكيف، ما يعيد النقاش حول مستقبل الدبابات الثقيلة في الحروب المعاصرة.
بين الرواية الروسية والواقع الميداني
تكشف الفجوة المتزايدة بين تصريحات بوتين حول تفوق دبابات T-90 والوقائع المؤكدة في أوكرانيا عن معضلة أعمق تتعلق بكيفية تعامل موسكو مع صورة قوتها العسكرية أمام العالم. فبينما تصر القيادة الروسية على تصوير الدبابة بوصفها “الأفضل عالميًا”، تتوالى المؤشرات الميدانية التي تعاكس هذه السردية، إذ أصبحت الدبابات هدفًا مفضلًا للطائرات المسيّرة الدقيقة والأسلحة الغربية التي تعيد رسم ملامح الصراع البري. وفي الوقت نفسه، تتصاعد الشكوك داخل الأسواق الدولية بشأن قدرة روسيا على تقديم نموذج فعّال للدبابات الحديثة بعد الأداء المتواضع في أوكرانيا، خاصة في ظل بيئة قتالية تتغير قواعدها بسرعة غير مسبوقة. هذا التناقض الحاد بين الرواية الرسمية والحقائق العملياتية يضع مستقبل T-90 على المحك، ويفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول مستقبل الصناعات العسكرية الروسية في عالم يتجه نحو الحروب الذكية وتكتيكات استهداف الدروع من مسافات آمنة.



