وزير الخارجية الإيراني يدعو واشنطن لاستئناف المفاوضات النووية

بعد خمسة أشهر من الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية حساسة داخل إيران، تتجه الأنظار مجددًا نحو ملف المحادثات النووية الذي كان متوقفًا منذ يونيو الماضي. في مقابلة حصرية مع مجلة الإيكونوميست أجريت في طهران بتاريخ 19 نوفمبر، دعا وزير الخارجية الإيراني عباس أراقدشي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعودة إلى مفاوضات متوقفة، مؤكدًا أن طهران تسعى إلى “اتفاق عادل ومتوازن” يحمي مصالحها ويضمن أمنها الإقليمي. وأضاف أراقدشي أن أي هجوم إسرائيلي محتمل على المنشآت النووية سيقوض فرص الحل الدبلوماسي، لكنه شدد على أن باب الحوار ما زال مفتوحًا. وأوضح الوزير أن استعداد إيران للتفاوض لا يعني القبول بأي إملاءات، بل يرتكز على احترام سيادة الدولة وحقوقها النووية المشروعة، مع ضمان ألا يتحول برنامجها إلى سلاح نووي، في خطوة تعكس حرص طهران على الموازنة بين القوة العسكرية والدبلوماسية.
إيران تؤكد رفض تصفير التخصيب لكنها تعرض ضمانات للسلامة النووية
رغم رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي المحلي، ألمح أراقدشي إلى استعداد بلاده لقبول ترتيبات دولية تمنع تحويل البرنامج إلى سلاح، مؤكدًا: “تصفير التخصيب مستحيل… لكن تصفير السلاح النووي ممكن.” وأشار إلى مقترح سابق يتيح إجراء تخصيب محدود داخل إيران تحت إشراف كونسورتيوم دولي قد يضم الولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى إظهار جدية طهران في الحفاظ على حقوقها النووية مع تجنب التصعيد العسكري. وأضاف الوزير أن عمليات التخصيب متوقفة حاليًا بعد الضربات الأخيرة، لكنه لم يكشف بوضوح عن مصير 400 كغم من اليورانيوم عالي التخصيب، مدعيًا أن المادة دُفنت تحت الأنقاض وأن المفتشين الدوليين لن يُسمح لهم بالدخول قبل التوصل إلى اتفاق جديد. ويعكس هذا الموقف الإيراني رغبة في تحقيق حل دبلوماسي متوازن يضمن حقوقها ويحافظ على أمنها الوطني.
الضغوط الإقليمية تعزز أوراق إيران… ومستعدة لأي مواجهة
واجهت إيران خلال الأشهر الماضية سلسلة من الضغوط الإقليمية المعقدة، إذ تسبب القصف الإسرائيلي بخسائر كبيرة لحزب الله، وفقدت طهران دعم النظام السوري بعد اقتراب دمشق من تركيا وإسرائيل، مما أضعف موقعها في المنطقة. ومع ذلك، أكد أراقدشي أن إيران أصبحت أكثر استعدادًا لأي مواجهة محتملة، مشيرًا إلى تحسين قدرات الصواريخ من حيث الكم والنوع، وتعميق الشراكة الاستراتيجية مع روسيا لتأمين مصالحها الإقليمية. ويأتي هذا التوجّه في إطار تعزيز أوراق الضغط أمام واشنطن، مع الإشارة إلى أن إيران لن تتنازل عن حقوقها النووية المشروعة. كما يعكس الموقف حرص طهران على إرسال رسائل واضحة بأن الحوار ممكن، لكنه يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل، دون فرض أي إملاءات خارجية، ما يؤكد موازنة طهران بين القوة العسكرية والمرونة الدبلوماسية.
التحديات الداخلية تعرقل جهود التفاوض
تواجه إيران تحديات كبيرة على الصعيد الداخلي فيما يخص استئناف المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، إذ يواصل التيار المتشدد رفض أي حوار مع واشنطن بعد فشل الجولات السابقة بقيادة الموفد الأميركي ستيف ويتكوف، معتبرين أن أي خطوة نحو التفاوض قد تكون ستارًا لضربة إسرائيلية جديدة. ومع ذلك، شدد وزير الخارجية عباس أراقدشي على أن العلاقات مع الموفد الأميركي خلال الجولات السابقة كانت إيجابية، مؤكدًا أن بلاده مستعدة للموازنة بين الانفتاح الدبلوماسي والاستعداد العسكري. وأضاف أن أفضل طريقة لمنع الحرب هي التهيؤ الكامل لها، وهو ما يتطلب استعداد إيران ليس فقط سياسياً، بل وعسكرياً أيضًا، مع الحفاظ على حقوقها النووية المشروعة وعدم الانسياق خلف أي إملاءات خارجية. وتعكس هذه المعادلة الانقسام الواضح داخل إيران بين الرغبة في دبلوماسية بناءة والحذر من التفريط في الحقوق النووية، ما يجعل أي خطوة نحو التفاوض عملية معقدة تتطلب توافقًا داخليًا ودوليًا.
استمرار المفاوضات رهناً بالاحترام المتبادل والضغوط الدولية
خلاصة حديث أراقدشي تشير إلى أن إيران مستعدة للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، شريطة احترام سيادة الدولة والاعتراف بحق طهران في برنامجها النووي المحلي، مع ضمان عدم فرض أي إملاءات أو تهديدات عسكرية جديدة. وأوضح الوزير أن هذا الموقف يعكس حرص إيران على استقرار الوضع الإقليمي، مع استمرار امتلاك أوراق الضغط الاستراتيجية التي يمكن الاستفادة منها إذا عادت التوترات للمنطقة، ما يمنح طهران قدرة على إدارة الأزمات بمرونة. كما شدد أراقدشي على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يحمي مصالح إيران الوطنية ويقلل من المخاطر الإقليمية، مع موازنة دقيقة بين الانفتاح الدبلوماسي والاستعداد العسكري. ويظهر هذا النهج أن طهران تسعى لتحقيق توازن بين التفاوض الفعّال والحفاظ على قوتها الدفاعية، مما يمنحها موقع قوة في أي محادثات مستقبلية قد تؤدي إلى استقرار نسبي في الشرق الأوسط.



