فايننشال تايمز: حاكم فنزويلا الماكر يصمد متحدياً دونالد ترامب
يدخل المشهد الفنزويلي مرحلة حساسة بعد أن صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته ضد نيكولاس مادورو، واصفًا إياه بـ”الزعيم غير الشرعي” و”الإرهابي المرتبط بالمخدرات”، ومعلنًا مكافأة تبلغ 50 مليون دولار للقبض عليه. ورغم ذلك، يبدو أن مادورو، الذي نجا سابقًا من محاولات اغتيال وانقلابات ومخططات دولية، يستعد لجولة جديدة من الصراع السياسي مع واشنطن وهو يمتلك خبرة طويلة في النجاة من الأزمات. وفقًا لتقرير فايننشال تايمز
زعيم نجح في تحويل الضعف إلى استراتيجية بقاء
منذ توليه السلطة بعد وفاة هوغو تشافيز عام 2013، تعامل مادورو مع تحديات داخلية شرسة وصراعات على السلطة داخل الحزب الاشتراكي الحاكم. ووفق محللين، استطاع الدمج بين الشراسة السياسية والقدرة على السيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاقتصادية، مما مكنه من إحباط خصومه وإعادة بناء دائرة ولاء ضيقة لكنها فعّالة.
أظهر مادورو قدرته على المناورة رغم افتقاره لكاريزما تشافيز. فقد أحبط محاولة اغتيال بطائرات مسيّرة عام 2018، ونجا من محاولة غزو نفذها مرتزقة عام 2020 خططوا لخطفه، كما نجح في تجاوز حملة اعتراف دولي بمنافسه خوان غوايدو كرئيس مؤقت. اليوم، ورغم الضغوط الأمريكية الجديدة، يستمر مادورو في استخدام تكتيكات مزدوجة: خطاب صدامي للخارج ووعود تفاوضية خلف الكواليس.

شبكة الولاء… اقتصاد قائم على الفساد والرعاية السياسية
يعتمد نظام مادورو على شبكة واسعة من الامتيازات والأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك تهريب الذهب والنفط والكوكايين، وفق شهادات مسؤولي إنفاذ القانون الأمريكي السابقين. وتشير التقارير إلى أن الفساد ليس مجرد ظاهرة جانبية، بل جزء بنيوي من آلية الحكم، إذ يحصل المقربون على نصيبهم من هذه الأنشطة مقابل الولاء للنظام.
ويقف حول مادورو أشخاص ذوو نفوذ مطلق مثل ديلسي رودريغيز، المشرفة على قطاعات الاقتصاد والطاقة، وشقيقها خورخي رودريغيز، الذي يدير الكونغرس ويقود التفاوض الخارجي، إلى جانب وزير الدفاع فلاديمير بادريينو لوبيز الذي يحافظ على انضباط الجيش وصلاته بروسيا.

آلة قمعية متجذرة ومخاوف من العقاب
على الرغم من الخطاب الهادئ الذي يقدمه مادورو أحيانًا في العلن، فإن أجهزة الأمن الفنزويلية متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة. تقارير أممية وثقت التعذيب والإخفاء القسري والعنف الجنسي بحق الضباط والمعارضين. هذه البيئة تجعل أي محاولة انقلابية أو انشقاق داخل النظام محفوفة بخطر الموت أو السجن، وهو ما يعزز تماسك الدائرة الحاكمة.
ترامب يصعّد… ومادورو يناور
في الأشهر الأخيرة، أرسلت الولايات المتحدة أكبر قوة بحرية للمنطقة منذ أزمة الصواريخ الكوبية، كما حلقت طائرات أمريكية قرب الساحل الفنزويلي. ورغم ذلك، يكرر ترامب مواقف دون أهداف محددة، مكتفيًا بالقول إنه “يجب التعامل مع فنزويلا”. هذا الغموض يمنح مادورو مساحة للمناورة.
وبحسب تقارير، أرسل كاراكاس رسالة غير مباشرة لواشنطن مفادها أن مادورو قد يوافق على التنحي بعد عامين، لكن البيت الأبيض رفض العرض. ورد الرئيس الفنزويلي بخطابات متحدية، بينها تلوّحه بسيف خلال مسيرة وإعلانه “الدفاع عن كل شبر من فنزويلا”.

صورة سياسية مخففة لا تغيّر الواقع
قبل الانتخابات الأخيرة، حاولت بروباغندا النظام تصوير مادورو بصورة أكثر إنسانية، من خلال بث مقاطع وهو يغني ويرقص وتقديمه كبطل شعبي في سلسلة الرسوم المتحركة “سوبر بيغوتي”. لكن هذه الجهود فشلت في إخفاء السخط الشعبي الواسع، إذ تشير وثائق لجان الانتخابات إلى أن مادورو خسر بفارق كبير، لكنه أعلن فوزه وتنصّل من أي رقابة دولية.

خلاصة المشهد: نظام لا يسقط بسهولة
ورغم تقدم عمره وبقاء فنزويلا في حالة انحدار اقتصادي وإنساني، يبقى مادورو لاعبًا سياسيًا شديد الحنكة، محاطًا بنظام أمني وعسكري واقتصادي شديد التماسك، ما يجعل أي محاولة خارجية للإطاحة به بالغة التعقيد.
أما صدامه المتجدد مع ترامب، فيبدو حتى الآن محطة جديدة في مسار طويل من المواجهة والمساومة، في ظل نظام يتقن البقاء مهما اشتدت العواصف.
اقرأ ايضَا: فايننشال تايمز: شركاء OpenAI يجمعون ديوناً تتجاوز 100 مليار دولار لتمويل طموحات الذكاء الاصطناعي



