فايننشال تايمز: قلق أوروبي من احتمال سيطرة «ستارلينك» على ترددات الأقمار الصناعية الحساسة
تتصاعد المخاوف داخل أروقة الاتحاد الأوروبي من احتمال انتقال السيطرة على جزء بالغ الحساسية من ترددات الأقمار الصناعية إلى شركة «ستارلينك» المملوكة لإيلون ماسك، في خطوة قد تعمّق اعتماد أوروبا على التكنولوجيا الأميركية في مجال استراتيجي بالغ الأهمية. هذه المخاوف برزت مع اقتراب انتهاء تراخيص شركات أميركية أخرى تستخدم حاليًا هذه الترددات، ما يفتح الباب أمام إعادة توزيعها في وقت يشهد فيه العالم توترًا جيوسياسيًا غير مسبوق. بالنسبة لبروكسل، لا يتعلق الأمر بمجرد منافسة تجارية أو تقنية، بل بسؤال أعمق حول السيادة الرقمية، وأمن الاتصالات، ومستقبل أوروبا في سباق الفضاء والاتصالات الحديثة. تقرير فايننشال تايمز يرصد أبعاد هذا القلق الأوروبي، ويحلل التحديات التي تواجهها القارة بين الحاجة إلى الابتكار، والرغبة في تقليل التبعية التكنولوجية للخارج.
ترددات استراتيجية على المحك
تشكل حزمة ترددات الـ2 غيغاهرتز، المستخدمة في خدمات الأقمار الصناعية للاتصالات المحمولة، موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية للاتحاد الأوروبي. هذه الترددات تلعب دورًا محوريًا في تطوير خدمات الاتصال المباشر بالأجهزة، بما في ذلك الهواتف الذكية وإنترنت الأشياء. ومع اقتراب انتهاء تراخيص شركتي Viasat وEchoStar الأميركيتين، تستعد بروكسل لعملية إعادة تخصيص قد تجذب لاعبين جدد، في مقدمتهم «ستارلينك». هذا الاحتمال يثير تساؤلات عميقة حول من سيتحكم في البنية التحتية الفضائية للاتصالات الأوروبية خلال العقد المقبل.
ستارلينك والقلق من التبعية الأميركية
تزايد نفوذ «ستارلينك» عالميًا جعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله في سوق الاتصالات الفضائية. غير أن هذا النفوذ نفسه هو ما يثير القلق الأوروبي، خصوصًا في ظل التوترات السياسية المتصاعدة بين بروكسل وواشنطن. سيطرة شركة أميركية واحدة على جزء كبير من الطيف الترددي الأوروبي قد تعني، في نظر المسؤولين، تقليص هامش الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد، وتعريض أمن الاتصالات الحكومية والعسكرية لمخاطر محتملة، حتى لو لم تكن مباشرة أو فورية.
البعد الجيوسياسي والتكنولوجي
القرار المرتقب بشأن الترددات لا يأتي في فراغ، بل في سياق سباق عالمي على الفضاء والاتصالات. الصين، التي أعلنت نفسها «دولة قريبة من القطب الشمالي» وتستثمر بقوة في البنية الفضائية، تُعد بدورها منافسًا محتملًا في هذا المجال. هذا الواقع يضع أوروبا بين خيارين صعبين: إما فتح الباب أمام شركات غير أوروبية قوية تقنيًا، أو تسريع بناء قدراتها الذاتية، وهو مسار يتطلب استثمارات ضخمة وقرارات سياسية جريئة.
توتر متصاعد بين ماسك وبروكسل
زاد التوتر بين إيلون ماسك والاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الأخيرة، على خلفية غرامات وتنبيهات فرضتها المفوضية الأوروبية على منصة «إكس» (تويتر سابقًا)، إضافة إلى انتقادات تتعلق بمحتوى مولّد عبر الذكاء الاصطناعي. هذه الخلفية السياسية تجعل أي قرار يمنح «ستارلينك» نفوذًا إضافيًا داخل أوروبا أكثر حساسية، إذ يخشى بعض المسؤولين من تداخل المصالح التجارية مع صراعات تنظيمية وسياسية أوسع.
السيادة الرقمية كأولوية أوروبية
يرى عدد متزايد من صناع القرار في بروكسل أن ملف الترددات الفضائية يجب أن يُدار من منظور السيادة الرقمية، لا فقط من زاوية السوق المفتوحة. الترددات ليست مجرد مورد تقني، بل أداة تمكّن الدول من التحكم في تدفق البيانات والاتصالات. لذلك، يؤكد مسؤولون أوروبيون أن تجديد التراخيص لن يكون تلقائيًا، وأن الهدف هو إيجاد توازن بين استمرارية الخدمات الحالية، وفتح المجال أمام بنية تحتية مستقبلية آمنة وتنافسية تخدم المصالح الأوروبية على المدى الطويل.
الصناعة الأوروبية بين الفرصة والتحدي
في الوقت الذي يثير فيه احتمال توسع «ستارلينك» القلق، يرى آخرون أن إعادة توزيع الترددات تمثل فرصة لإحياء صناعة فضائية أوروبية أكثر قوة. غير أن هذه الفرصة تصطدم بتحديات واقعية، أبرزها التكاليف المرتفعة، وتعقيد التشريعات، وضيق الوقت. قدرة أوروبا على تحويل هذا التحدي إلى نقطة انطلاق جديدة ستعتمد على مدى استعدادها للاستثمار في الابتكار، وتبسيط البيروقراطية، وبناء تحالفات صناعية قادرة على منافسة عمالقة التكنولوجيا العالميين.



