خطة ترامب للسلام في أوكرانيا تثير صدمة أوروبا: منح روسيا أراضٍ إضافية يُهمش الحلفاء
أحدثت خطة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في أوكرانيا صدمة واسعة في العواصم الأوروبية، بعد أن كشف التسريب الإعلامي أن الخطة المؤلفة من 28 نقطة قد تمنح روسيا أراضي إضافية بما يفوق ما استولت عليه قواتها بالفعل، مقابل تكلفة رمزية. وبدت أوروبا وكأنها استُبعدت عن العملية التفاوضية، في وقت كان القادة الأوروبيون يراهنون على دور فعال لهم في إنهاء أكبر حرب برية شهدتها القارة منذ الحرب العالمية الثانية. وفضلاً عن ذلك، ستفرض الخطة قيودًا على انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، مع ما يترتب على ذلك من إحباط للتطلعات الأوروبية، وسط شعور عميق بأن واشنطن تسعى لإعادة رسم النفوذ الإقليمي لمصلحتها، متجاوزة التوازنات التقليدية بين الحلفاء. وما تلا ذلك من تحركات أوروبية عاجلة يظهر حجم القلق الذي يعيشه القادة الأوروبيون لمواجهة خطة أمريكية قد تغيّر المعادلة الاستراتيجية.

كشف الخطة: منح روسيا أراضي إضافية
على الرغم من توقع المسؤولين الأوروبيين أن تعمل إدارة ترامب على صياغة خطة سلام متوازنة، جاءت التفاصيل لتفاجئ الجميع. فقد أظهرت الخطة أن روسيا ستحصل على أراضٍ إضافية تتجاوز ما استولت عليه بالفعل، وهو ما أثار دهشة كبيرة لدى قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. المستشار الألماني فريدريش ميرز، على سبيل المثال، علم لأول مرة بالخطة عبر العناوين الإعلامية، ولم يُبلّغ مسبقًا بأي تفاصيل، ما دفع فريقه للاتصال بإدارة ترامب للحصول على توضيح عاجل. هذه النقطة أبرزت مدى تهميش أوروبا، وأكدت أن الإدارة الأمريكية اختارت مسارًا منفردًا لإدارة الصراع، دون مشاركة تقليدية للحلفاء، وهو ما دفع القادة الأوروبيين إلى بذل جهود مضنية لمحاولة استعادة تأثيرهم وإعادة تقديم مقترحاتهم، مع الحفاظ على موقف متوازن تجاه موسكو.
ردود الفعل الأوروبية: صدمة وعدم تصديق
تصف صحيفة “نيويورك تايمز” ردود الأفعال الأوروبية بأنها مزيج من الصدمة وعدم التصديق، إذ شعرت القارة بأنها محصورة بين قوى دولية متنافسة، مع تجاهل متعمد لمكانتها التقليدية في صياغة أي اتفاق. حاول القادة الأوروبيون الضغط على المسؤولين الأمريكيين عبر سلسلة من المكالمات والاجتماعات العاجلة، بما في ذلك التنقل الفوري من اجتماعات مجموعة العشرين في جوهانسبرج إلى جنيف لمحاولة تعديل مسار الخطة. ورغم الجهود المكثفة، كان تأثير أوروبا محدودًا في البداية، وهو ما دفع كبار المسؤولين الأوروبيين إلى تنظيم لقاءات سرية مع نظرائهم الأوكرانيين لإيجاد مخرج يسمح بتقليل الضرر المحتمل لمصالحهم الإقليمية، وتحقيق تقدم تدريجي على الأرض قبل أن تُنفذ الخطة الأمريكية بالكامل.
محاولة المشاركة: القادة الأوروبيون يتفاعلون
بحلول عطلة نهاية الأسبوع، اجتمع رؤساء الوزراء والرؤساء الأوروبيون في قمة مجموعة العشرين بجنوب إفريقيا، وقرروا استعادة موقفهم على الطاولة من خلال تقديم وجهة نظر موحدة، مع إظهار الدعم لجهود ترامب في إحلال السلام. وقد أشار بيان القادة الأوروبيين إلى أن الخطة تمثل “نقطة انطلاق”، لكنها تتطلب تعديلات إضافية لضمان حماية مصالح أوروبا وأوكرانيا. وبالرغم من تحفظاتهم العميقة، اعتمد القادة أسلوب المجاملة والتعاون، وهو ما يعكس محاولة لتحقيق توازن بين الضغط الأمريكي والرغبة الأوروبية في المشاركة. كما أرسل كبار الدبلوماسيين الأوروبيين سريعًا إلى جنيف للمشاركة في المحادثات التي دعا إليها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، لتأكيد حقهم في التأثير على جوانب الخطة المرتبطة مباشرة بمصالحهم.
تقدم محدود وإحراز انتصارات جزئية
مع بزوغ فجر الأحد، ظلت أوروبا على حافة التوتر، حيث اجتمع المسؤولون الأوروبيون في البعثة الألمانية مع نظرائهم الأوكرانيين لتطوير استراتيجيات للتفاوض، وتمكنوا من الوصول إلى تفاهمات محدودة مع الجانب الأمريكي. وفقًا لمصادر مطلعة، أبلغ روبيو الأوروبيين سرًا بأن القضايا التي تؤثر على الدول الأوروبية لن تُدرج في المناقشات الحالية، ما أعاد بعضًا من شعور السيطرة للأطراف الأوروبية. وبحلول مساء الأحد، بدا واضحًا أن هناك تعديلًا في اللهجة الأمريكية، مع الإشارة إلى أن الخطة قابلة للتغيير، وأن أوروبا ستتمكن من التعبير عن رأيها في العناصر التي تهم مصالحها مباشرة، ما أعاد نوعًا من الطمأنينة إلى بروكسل وأعاد الثقة إلى سفراء الاتحاد الأوروبي.
أوروبا تفرض حضورها وسط خطة صادمة
على الرغم من الصدمة الأولية، أظهرت أوروبا قدرتها على فرض حضورها جزئيًا في عملية السلام، من خلال التنسيق الداخلي السريع والضغط المستمر على واشنطن. فنجاح الأوروبيين في تعديل بعض عناصر الخطة دون معارضة صريحة يعكس قدرة الحلفاء على التعامل بمرونة مع النفوذ الأمريكي المتزايد، وفي الوقت نفسه حماية مصالحهم الإقليمية. ومن جهة أخرى، تكشف الأحداث عن تحول استراتيجي في الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية مع النزاعات الدولية، حيث تميل إلى الاعتماد على خطوات منفردة ودبلوماسية شخصية قد تتجاوز المؤسسات التقليدية. وبينما تتواصل المفاوضات، يبقى السؤال الأساسي: هل ستتمكن أوروبا من المحافظة على تأثيرها وحقوقها ضمن خطة ترامب، أم ستُفرض الوقائع على الأرض لصالح موازين القوى الأمريكية والروسية؟



