تعثر مشروع الصواريخ الأوكرانية يكشف ضعف الصناعة الدفاعية

تواجه أوكرانيا مأزقًا حقيقيًا في مساعيها لبناء منظومة صواريخ باليستية محلية متوسطة وبعيدة المدى، بعدما اصطدمت طموحاتها التقنية بجدار من العقبات الصناعية والتكنولوجية. فالمشروع الذي رُوّج له في عام 2021 باعتباره خطوة نحو الاستقلال الدفاعي للبلاد، أصبح اليوم مثالًا على تعقيدات التصنيع العسكري في ظل الحرب مع روسيا. ووفقًا لتقرير نشره موقع “ديفنس إكسبريس” وشهادات خبراء سابقين، فإن المشروع يعاني من مشكلات بنيوية عميقة، أبرزها هشاشة البنية الصناعية الخاصة بمحركات الوقود الصلب التي تمثل العمود الفقري لأي صاروخ باليستي. هذه العقبات التقنية والصناعية، إلى جانب تدهور المنشآت الدفاعية بسبب الحرب، جعلت أوكرانيا عاجزة عن تحويل أبحاثها النظرية إلى إنتاج فعلي يواكب احتياجات جبهاتها المشتعلة.
“سابسان”.. من الأمل إلى الإخفاق الميداني
عندما كشفت أوكرانيا عام 2018 عن صاروخ “سابسان”، الذي يُسوّق خارجيًا تحت اسم “غريم-2”، بدا المشروع واعدًا كرمز لاستعادة القدرات الصاروخية الموروثة من الاتحاد السوفييتي. وقد أعلنت كييف في عام 2021 أن الصاروخ جاهز بنسبة 80% وأنه على وشك دخول مرحلة الإنتاج. لكن بعد خمس سنوات، لم يُعلن عن أي تصنيع فعلي، بل جاءت نتائج التجارب الرسمية لعام 2024 مخيبة، إذ بلغ مدى الإطلاق نحو 300 كيلومتر فقط بدلًا من 480 كما خُطط له. ومع استمرار القصف الروسي واقتراب خطوط القتال من المصانع الحيوية، بات الخطر يهدد المشروع في جوهره، إذ يمكن أن يؤدي أي هجوم جديد إلى تدمير البنية الأساسية التي يعتمد عليها البرنامج بالكامل.
محركات الوقود الصلب.. عقدة التقنية والإنتاج
تُعد محركات الوقود الصلب قلب المشروع الأوكراني وأعقد مكوناته، إذ تتطلب تصنيعًا عالي الدقة ومواصفات هندسية لا تزال الصناعة الأوكرانية تفتقر إليها. فهذه التكنولوجيا تعتمد على تركيبات كيميائية حساسة للغاية ومختبرات قياس متطورة لا تتوافر في أغلب المنشآت المحلية. وعلى الرغم من أن كييف ورثت خبرات بشرية وتقنية من العهد السوفييتي، فإن تحويل تلك الخبرات إلى سلسلة إنتاج عصرية ما زال بعيد المنال. وتعتمد البلاد بشكل شبه كامل على مصنع “بافلوغراد” الكيميائي الذي يقع على بعد 80 كيلومترًا فقط من الجبهة، ما يجعله عرضة دائمًا للهجمات الروسية. ومع استمرار الخطر العسكري، تتضاءل فرص تطوير محركات صاروخية محلية قادرة على تلبية متطلبات الحرب الحديثة.
إرث سوفييتي يعيق التطوير التكنولوجي
بحسب الخبير الكيميائي زنوفي باك، الذي شغل سابقًا منصب المصمم العام في مجمع “سويـوز” السوفييتي، فإن أوكرانيا تواجه تحديًا جوهريًا في تحديث منظومة إنتاج الوقود الصلب. ويؤكد أن الاعتماد على نظام “البراميل الدوارة” التقليدي لتصنيع المكونات الكيميائية يجعل خطوط الإنتاج معرضة للخطر ويقيد إمكانيات التحديث. كما فشلت محاولات إعادة استخدام مكونات مستخرجة من الصواريخ القديمة في توفير بديل فعال، إذ إن الوقود الصلب يحتاج إلى تركيبة دقيقة للغاية توازن بين الضغط ودرجة الحرارة لضمان احتراق مستقر وآمن. وأي خطأ بسيط في هذه المعادلة يمكن أن يؤدي إلى انفجار المحرك أو تدمير الصاروخ قبل مغادرته منصة الإطلاق.
الاستهداف الروسي يقوض البنية الدفاعية
يؤكد تقرير “ديفنس إكسبريس” أن أوكرانيا تحتاج إلى خطة استثمارية شاملة لتطوير مختبرات القياس والنمذجة وبناء منظومة تعليمية لتأهيل جيل جديد من المهندسين العسكريين. كما يدعو التقرير إلى تبني نموذج إنتاج حديث قائم على وحدات صغيرة ومحصنة يمكن توزيعها لتقليل مخاطر التدمير الكامل. لكن الخبير العسكري فاليري رومانينكو يرى أن هذا الهدف أصبح صعب التحقيق، إذ نجحت روسيا في ضرب المنشآت الرئيسة في دنيبرو وبافلوغراد باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة. وأدى ذلك إلى توقف شبه تام لقدرات الإنتاج الصاروخي في البلاد، لتجد أوكرانيا نفسها أمام واقع مؤلم يتمثل في فقدانها معظم مقوماتها الصناعية العسكرية وسط حرب استنزاف طويلة الأمد.
أوكرانيا بين فقدان الردع وبحث البدائل
أظهر تعثر مشروع “سابسان” أن أوكرانيا ما زالت بعيدة عن امتلاك قدرة ردع صاروخية مستقلة يمكن أن تواجه بها القوة الروسية. فغياب الدعم الخارجي في مجال تقنيات الوقود الصلب واستمرار الاستهداف المنهجي لمصانعها يجعلان من أي تقدم تقني إنجازًا مؤقتًا معرضًا للانهيار في أي لحظة. ومع ذلك، لا يزال لدى كييف خيار استراتيجي يتمثل في بناء شراكات تكنولوجية جديدة مع دول حليفة تمتلك الخبرة الصناعية اللازمة، بدلًا من الاعتماد الحصري على الإرث السوفييتي. إن مصير مشروع “سابسان” ليس مجرد قصة فشل صناعي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة الأوكرانية على تحقيق سيادتها الدفاعية في وجه حرب تكنولوجية لا تقل شراسة عن المعارك الميدانية.



