المناورات العسكرية الروسية البيلاروسية تثير مخاوف أوروبية

تشهد منطقة أوروبا الشرقية حالة من التوتر المتصاعد مع انطلاق مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا تحت اسم “زاباد 2025” (الغرب 2025). وتأتي هذه التدريبات وسط استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف، ما يثير قلق كييف وحلفائها الغربيين. فالتجارب السابقة أثبتت أن مثل هذه المناورات قد تتحول إلى نقطة انطلاق لعمليات عسكرية جديدة، كما حدث عام 2022 عندما أرسلت موسكو قواتها إلى أوكرانيا بعد تدريبات مشابهة. ومع تصاعد المخاوف، خصوصًا لدى دول البلطيق وبولندا، تبدو التدريبات الحالية أكثر من مجرد استعراض عسكري، بل رسالة سياسية وعسكرية موجهة للغرب.

طبيعة المناورات وأهدافها
تنطلق مناورات “زاباد 2025” في بيلاروسيا وتستمر حتى 16 سبتمبر، حيث تتضمن تدريبات على صد هجمات محتملة، بما في ذلك ضربات جوية وعمليات تخريبية. ووفقًا للبيانات الرسمية، تهدف هذه التدريبات إلى إبراز قوة التحالف الروسي البيلاروسي وتعزيز صورة موسكو العسكرية رغم انشغالها بحرب استنزاف طويلة في أوكرانيا. ورغم تقليل بيلاروسيا من حجم المشاركة العسكرية المعلنة، فإن المناورات تشمل مواقع قريبة من الحدود مع بولندا وليتوانيا، ما يجعلها موضع قلق مباشر لجيرانها الأوروبيين.
مخاوف أوكرانيا وحلف الناتو
وزارة الخارجية الأوكرانية وصفت المناورات بأنها عقبة أمام الجهود الدبلوماسية الأمريكية لإنهاء الحرب، مؤكدة أنها تشكل تهديدًا فوريًا ليس فقط لأوكرانيا، بل أيضًا لبولندا ودول البلطيق وأوروبا بأكملها. وتزامن انطلاقها مع إعلان بولندا إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة الروسية التي اخترقت أجواءها، قادمة جزئيًا من بيلاروسيا، وهو ما اعتبرته وارسو استفزازًا مباشرًا. وبينما تنفي موسكو نيتها استهداف بولندا، يرى محللون أوروبيون أن هذه الحوادث تحمل رسالة ضغط واضحة على حلف شمال الأطلسي.
دور لوكاشينكو بين الشرق والغرب
يحاول الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو تقديم نفسه كوسيط قادر على تخفيف التوتر مع الغرب. فقد أفرج خلال العام الماضي عن عدد من المعتقلين السياسيين وأجرى اتصالات دبلوماسية مع واشنطن، في خطوة لافتة بعد سنوات من القطيعة. لكنه في الوقت ذاته يظل حليفًا أساسيًا للكرملين، إذ سمح لروسيا باستخدام الأراضي البيلاروسية لإطلاق هجماتها على أوكرانيا، إضافة إلى استضافة أسلحة نووية روسية تكتيكية. هذا التوازن بين مغازلة الغرب والارتهان لموسكو يثير تساؤلات حول مدى استقلالية موقف مينسك في ظل الضغوط الجيوسياسية المتزايدة.
البعد النووي في المناورات
تشمل مناورات “زاباد 2025” تدريبات على خطط استخدام الأسلحة النووية الروسية وصواريخ متوسطة المدى وعدت موسكو بتسليمها إلى مينسك. وقد وقع بوتين ولوكاشينكو العام الماضي اتفاقًا يتيح نشر هذه الأسلحة في بيلاروسيا ضمن ما يسمى “المظلة النووية الروسية”. ورغم تأكيد موسكو أن التدريبات تقتصر على محاكاة اتخاذ القرار دون نشر فعلي للرؤوس النووية، إلا أن مجرد وجودها في الأراضي البيلاروسية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن أوروبا الشرقية، ويعزز قدرة روسيا على الضغط على حلف الناتو.
موقف الغرب وردوده
رغم محاولة بيلاروسيا التقليل من أهمية المناورات، لا تزال دول الناتو تتعامل معها بجدية وحذر. فقد وصفت بولندا التدريبات بأنها “عدائية للغاية” وأعلنت إجراء مناورات عسكرية موازية. كما أبدت ليتوانيا وألمانيا استعدادًا للتعامل مع أي مفاجآت محتملة من الجانب الروسي البيلاروسي. ويُنظر بشكل خاص إلى “ممر سوالكي”، الشريط الاستراتيجي الفاصل بين بيلاروسيا وكالينينغراد الروسية، كأكثر النقاط حساسية، وسط تحذيرات من إمكانية استغلاله لشن هجوم محتمل على دول البلطيق.
آفاق التصعيد
تأتي مناورات “زاباد 2025” في وقت حساس يتسم بتصاعد التوتر بين روسيا والغرب، ما يجعلها أكثر من مجرد تدريبات عسكرية. فهي تعكس رسائل سياسية عن تماسك التحالف الروسي البيلاروسي وقدرته على التلويح بالخيار النووي، وفي الوقت نفسه تكشف عن قلق أوروبي متزايد من احتمال تحوّل المناورات إلى شرارة لتصعيد جديد في الحرب. وبين محاولات لوكاشينكو لموازنة علاقاته مع الشرق والغرب، تبقى المنطقة على صفيح ساخن، بانتظار ما ستسفر عنه هذه التحركات في الأسابيع المقبلة.



