صعود الذهب في الصين يخفي هشاشة الطلب ويعطل جهود التعافي الاقتصادي المستدام
في مفارقة اقتصادية نادرة، تحول الذهب من ملاذ تقليدي للتحوط ضد التضخم إلى مسكن مؤقت لأوجاع الانكمااض التي تعانيها الصين. أدى الارتفاع القياسي في أسعار المعدن النفيس إلى دفع مؤشر التضخم الأساسي للصعود خلال أكتوبر، منهياً سلسلة من التراجع السعري الذي استمرت لثلاثة أشهر، لكن هذا المسار لا يعكس تعافياً حقيقياً في الطلب المحلي. تشير بيانات ومؤشرات عدة إلى أن الارتفاع في مؤشر الأسعار يعود بدرجة كبيرة إلى صعود أسعار المجوهرات والذهب الصناعي، فيما تظل مستويات الاستهلاك والاستثمار والأجور ضعيفة، والتضخم الحقيقي على أساس السلع اليومية مستمراً في التراجع. يرى اقتصاديون أن صعود الذهب خلق جيوب تضخم صناعي مؤقتة أَخذت تبدو بارزة في سجلات التضخم لكنها لا تعالج ضعف الطلب الكامن، ما يجعل الانتعاش الظاهر هشاً ويعرضه للارتداد بمجرد استقرار أسعار المعدن النفيس. وتتطلب معالجة هذه الظاهرة تحليلاً سياسياً دقيقاً يؤخذ بالحسبان تأثيرات السوق المالية وتغيرات سلوك المستهلكين واليوان، إلى جانب ضرورة تقييم خيارات التحفيز المالي والنقدي بواقعية بشكل عاجل.
انتعاش ظاهري يخفي ركودًا أعمق
يرى خبراء اقتصاد أن الارتفاع المسجل في مؤشر الأسعار خلال أكتوبر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بقفزة أسعار الذهب والمجوهرات بدلاً من انتعاش واسع النطاق في النشاط الاستهلاكي. أشار زيتشون هوانغ من مؤسسة كابيتال إيكونوميكس إلى أن هذه الزيادة مؤقتة وسيزول أثرها إذا عادت أسعار المعدن إلى مستوياتها السابقة، مما يشير إلى أن المؤشرات القياسية قد تعطي صورة مضللة عن الصحة الاقتصادية الأساسية. تعتمد هذه التوصيفات على ملاحظات تفصيلية لأسعار السلع الأساسية وسلوك المستهلكين، إضافة إلى مؤشرات أرباح الشركات وتراجع الأجور الذي يحد من قدرة الأسر على الإنفاق الفعلي، وهو ما يجعل أي انتعاش سعري مؤقتًا وغير قادر على توليد طلب مستدام. وبالنظر إلى المؤشرات القطاعية، يتضح أن أي تحسّن موضعي لا يساوي تعافياً شاملاً ما لم يرافقه ارتفاع ملموس في الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري على نطاق واسع.
الذهب يشعل تضخمًا صناعيًا مصطنعًا
قفز سعر الذهب بأكثر من خمسين بالمئة منذ بداية العام، في أقوى موجة ارتفاع تُسجل منذ أواخر السبعينيات، مما أحدث تأثيرات متمركزة في قطاعات محددة مثل المجوهرات والمعادن الثمينة. أدى هذا الارتفاع إلى خلق جيوب تضخم صناعي داخل سلاسل التوريد، فأثّرت أسعار المعادن على تكلفة السلع المصنعة والسلع الفاخرة، ورفعت من مؤشر فئة السلع والخدمات المتنوعة بنسبة ملحوظة خلال شهر أكتوبر. ومع أن وزن الذهب والبلاتين في سلة المستهلك محدود للغاية مقارنة بباقي المكونات، فإن الطلب المضطرد على شراء المجوهرات كملاذ آمن ضاعف أثرهما الإحصائي، خاصة أمام ضعف قيمة اليوان وتصاعد المخاطر المنطقة. وهذا أظهر هشاشة القاعدة الاستهلاكية، إذ إن ارتفاع أسعار فئة ضيقة قد يعطي مؤشرات تضخمية لا تنعكس على مستوى الإنفاق الاستهلاكي العام أو القوة الشرائية للأسر على السلع اليومية.
دوامة الانكماش وغياب التحفيز
في المقابل، تواصل أسعار السلع الأساسية كالطعام والوقود والإيجارات الاتجاه النزولي أو الاستقرار عند مستويات منخفضة في كثير من المدن الصينية، ما يضغط على صناع القرار ويتناقض مع مؤشرات التضخم الجزئية المرتفعة. يتراجع الاستثمار الخاص وتتراجع معدلات الإشغال في بعض الصناعات، بينما يواجه المستهلكون قيودًا على الإنفاق نتيجة ضعف الأجور وتزايد المخاوف بشأن مستقبل دخلهم. وتشير بيانات قطاع التجزئة والمبيعات إلى تباطؤ عمليات الشراء غير الأساسية، ما يؤكد أن قاعدة الطلب لا تزال هشة ولن تستعيد زخمها بالاعتماد على ارتفاع أسعار سلعة واحدة. وتشير تحليلات مستقلة إلى أن انخفاض أسعار السلع اليومية يفوق ما تظهره الأرقام الرسمية في بعض الحالات، فيما يبرز التباين بين القطاعات عمق المشكلة؛ فالصين تواجه انكماشًا امتد لعشرة فصول متتالية في عدة مؤشرات، مما يستدعي سياسات أوسع وأعمق لكسر الحلقة.
بريق زائف فوق قاعدة هشة
يؤكد محللون أن بكين تمتلك أدوات للتحفيز المالي والنقدي يمكن أن تكسر حلقة الركود السعري، لكن القيادة تمانع في الاعتماد على حزم واسعة من الدعم خوفًا من تراكم مستويات الدين وإضعاف الاستقرار المالي. بدلاً من ذلك، تتجه السياسات العامة إلى تشجيع الابتكار الصناعي وتطوير التكنولوجيا المتقدمة كخيار استراتيجي طويل الأجل، مع إعطاء أولوية لإصلاحات هيكلية تهدف إلى رفع الإنتاجية وليس التحفيز الاستهلاكي المباشر. ومع ذلك، قد لا تكون هذه الاستراتيجية كافية للتعامل مع ضعف الطلب القصير الأجل، مما يثير تساؤلات حول توقيت وحجم الإجراءات التي قد تتخذها السلطات لاحقًا. كما يناقش الخبراء إمكانية تبنّي إجراءات مستهدفة مثل تسهيل الائتمان للمشروعات الصغيرة ودعم سوق العقارات السكنية منخفضة التكلفة أو حوافز استثمارية للقطاع السياحي لرفع استهلاك الأسر بشكل مباشر.
سياسات مالية وهيكلية لدعم النمو والطلب
في المحصلة، يظل صعود الذهب ظاهرة لا تهدئ مخاوف الانكماش الحقيقي بقدر ما تمنح زخماً إحصائياً مؤقتًا لمؤشرات الأسعار، وتخلق انطباعًا خاطئًا بتحسن اقتصادي قد يزول مع تقلبات المعدن النفيس. الحل يتطلب مزيجًا من السياسات الوقائية والتحفيزية المدروسة التي تعيد توازن الطلب والعرض دون إغراق الاقتصاد بديون جديدة قد تضر بالمرونة المالية مستقبلاً. على المدى المتوسط، سيكون التركيز على الإصلاحات الهيكلية والجهود الرامية إلى رفع الأجور وتعزيز الطلب الداخلي أمرًا حاسمًا لإطالة أمد أي تعافٍ محتمل وإعادة الثقة لدى المستهلكين والمستثمرين على حد سواء. كما يستدعي الوضع مراقبة دقيقة لتحركات سوق المعدن النفيس وسياسات البنوك المركزية الدولية، لأن أي صدمة خارجية قد تعكس أثر الارتفاع الحالي بسرعة، وتتطلب إعادة بناء قاعدة نمو مستدامة تنسيقًا بين السياسات المالية والنقدية والإصلاحات الهيكلية مع إطار زمني واضح لقياس النتائج.
المصدر: بلومبيرغ



