بيوتٌ من نور.. حكاية رمضان في البيت المصري لا تنطفئ .

هناك لحظة سحرية، لا يدرك سحرها إلا من عاش في زقاق مصري قديم، لحظة يمتزج فيها هواء شعبان المودع بنسمات رمضان المقبلة. هي ليست مجرد تغيير في التقويم، بل هي انتفاضة للروح، وكأن قلوبنا كانت في سبات طوال العام، ولم تستيقظ إلا على صوت النقشبندي وبحة صوت المنشاوي التي تنسال من الراديو القديم في المحلات.
الفانوس.. الصديق الذي لا يشيب
في منطقة السيدة زينب، وبين دروب تحت الربع، تشعر أن الفوانيس ليست قطعاً من الصاج أو الزجاج، بل هي كائنات حية تنتظر من يحملها. هل جربت يوماً أن تنظر في عيني طفل صغير وهو يحتضن فانوسه الأول؟ تلك اللمعة هي جوهر رمضان. الفانوس في مصر هو الونس والصديق ، هو الضوء الذي كان يطرد خوفنا من الظلام ونحن صغار، وهو الحنين الذي يغلبنا ونحن كبار لنشتريه ونعلقه في بيوتنا وشوارعنا ، وكأننا نعلن للعالم: هنا يسكن الفرح.
رائحة البيوت.. هي سر الحب واللمة
لا يبدأ رمضان في المطبخ، بل يبدأ من رائحة التحميص والبلح الذي يملأ الأجواء بعبق الكرم. الياميش في بيوتنا ليس ترفاً، بل هو عنوان المحبة. تلك اللحظة التي تجتمع فيها العائلة حول منضدة واحدة، يفرزون الزبيب والمكسرات وسط ضحكات وحكاوي لا تنتهي، هي الكنز الحقيقي. في كل حبة تمر قصة كفاح لأب، وفي كل صينية قطايف لمسة حنان لأم، وفي طبق الخشاف سر لا يعرفه إلا من تذوقه وهو يسمع مدفع الإفطار.
الزينة.. خيوط تربط القلوب قبل البيوت
تأمل تلك الزينة الورقية التي يجمع الشباب ثمنها من بعضهم البعض. إنها أجمل لوحة فنية في العالم، ليس لأنها مثالية، بل لأن كل ورقة فيها تحمل بصمة شاب سهر ليعلقها، وجار أمسك له السلم بابتسامة. في تلك اللحظة، تختفي كل الخلافات، ويصبح الشوارع كلها بيتاً واحداً. الزينة في مصر ليست ديكوراً، بل هي عناق جماعي بين الجيران، وإعلان بأن الكل إيد واحدة.
سكون الليل وضجيج المحبة
بين ضجيج الأسواق الذي يشبه سمفونية صاخبة في النهار، وبين الهدوء الروحاني الذي يلف المآذن في صلاة التراويح، يجد الانسان نفسه. في حالة من التوازن بين السماء والأرض . صوت المسحراتي الذي ينادي على الأسماء وكأنه يعرفنا فرداً فرداً، يشعرنا بأننا لسنا وحدنا في هذا الكون الواسع.
ختاماً، رمضان في مصر ليس مجرد شهر، هو جرعة حياة. هو الوقت الذي نتذكر فيه أننا بشر، وأن السعادة تكمن في الأشياء البسيطة: في دعوة جار، في تمرة إفطار، وفي فانوس يضيء ليعلن أن الخير باقي و موجود دائماً بيننا ، وأننا مهما تعبنا، سيظل رمضان هو الملاذ الذي تستريح فيه أرواحنا.
كل عام وأنتم بقلوب مضيئة كالفوانيس.



