علوم اجتماعية وانسانيةمقالات وآراء
وهم الإنجاز: الخطر الصامت الذي يسرق وقت الشباب في العصر الرقمي

إدمان الإنجاز الوهمي لدى الشباب: خطر صامت في عصر السرعة الرقمية
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وانتشار المنصات الرقمية ومحتوى تطوير الذات، ظهر نمط جديد من التحديات التي تواجه فئة الشباب، يتمثل في ما يمكن تسميته بـ”إدمان الإنجاز الوهمي”. وهو ذلك الشعور الزائف بالتقدم والنجاح، الذي يتولد لدى الفرد نتيجة انشغاله المستمر بمحتوى تحفيزي أو تخطيطي دون ترجمة فعلية لهذا النشاط إلى إنجازات حقيقية ملموسة.
لقد أصبح من السهل اليوم الوصول إلى كم هائل من المعلومات والدورات التدريبية والنصائح التحفيزية، وهو ما يُفترض أن يكون دافعًا للنمو والتقدم. إلا أن الإفراط في استهلاك هذا النوع من المحتوى دون تطبيق عملي، يؤدي إلى حالة من الاكتفاء النفسي المؤقت، حيث يظن الفرد أنه يحقق تقدمًا لمجرد أنه يتعلم أو يخطط، بينما يظل في الواقع ثابتًا في مكانه.
وتتجلى مظاهر هذا الإدمان في عدة صور، من أبرزها قضاء ساعات طويلة في متابعة فيديوهات تطوير الذات دون تنفيذ، والانشغال بوضع خطط مثالية لا يتم البدء فيها، إضافة إلى الشعور بالرضا لمجرد الانشغال، وليس نتيجة تحقيق إنجاز فعلي. كما تسهم المقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز هذا الوهم، حيث يُقاس التقدم بمؤشرات غير واقعية أو سطحية.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في آثارها السلبية بعيدة المدى، إذ تؤدي إلى تآكل الثقة بالنفس، وتأجيل الأهداف الحقيقية، وتكريس حالة من الجمود المقنّع بالحركة. فالشباب الذي يعتاد على هذا النمط، قد يجد نفسه بعد سنوات دون إنجازات حقيقية، رغم شعوره الدائم بأنه كان “يحاول”.
ومن هنا، تبرز أهمية الوعي بهذه الظاهرة والعمل على مواجهتها من خلال تبني سلوكيات عملية، يأتي في مقدمتها التركيز على التطبيق بدلًا من الاكتفاء بالمعرفة، وتقسيم الأهداف إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ، وقياس التقدم بناءً على النتائج الفعلية لا المشاعر المؤقتة. كما يُنصح بتقليل التعرض المفرط للمحتوى التحفيزي، والبحث عن التوازن بين التعلم والعمل.



