زيلينسكي يعلن خطوطه الحمراء في باريس: لا مكاسب لروسيا ولا تسوية دون مشاركة أوكرانيا

في لحظة سياسية مشحونة بالتوترات الإقليمية والدبلوماسية، اختار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي العاصمة الفرنسية باريس ليحدد بوضوح «الخطوط الحمراء» التي ترى كييف أنه لا يمكن تجاوزها في أي تسوية قادمة للحرب مع روسيا. ويأتي هذا الموقف في وقت تزداد فيه المبادرات الدولية لفتح قنوات تفاوض، بالتزامن مع ضغوط عسكرية متصاعدة على الجبهات الشرقية. وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، شدد زيلينسكي على أن مفهوم التسوية لا يمكن أن يمر عبر تقديم تنازلات جغرافية أو سياسية لموسكو، معتبرًا أن أي «مكافأة» لروسيا ستشكّل مدخلًا لمزيد من العدوان في أوروبا. وتأتي تصريحات زيلينسكي وسط توقعات بدور متزايد لباريس وبرلين في دفع المسار الدبلوماسي، بينما تستعد واشنطن لإعادة تقييم خطوط التواصل بعد مهمة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في موسكو. هكذا تبدو باريس مسرحًا لإعادة ضبط ميزان القوى السياسي في الحرب الأوكرانية، وسط مخاوف أوروبية من أي ضغوط تسعى لفرض سلام غير متوازن على كييف.
أولوية السيادة والحدود وضمانات الأمن
أوضح زيلينسكي، خلال كلمته في الإليزيه، أن أوكرانيا لا تزال ملتزمة بثلاثة ثوابت تعتبرها أساسًا لأي مفاوضات مرتقبة لإنهاء الحرب: ضمانات أمنية حقيقية تمنع تكرار الاعتداء، الحفاظ الكامل على السيادة الوطنية، وصون وحدة الأراضي الأوكرانية دون أي استثناء. واعتبر أن أي مبادرة تؤدي إلى اعتراف دولي بمكاسب روسية، سواء عبر السيطرة على مناطق جديدة أو فرض وقائع سياسية، تمثل «تشجيعًا مباشرًا» لموسكو على مواصلة استراتيجية القوة. وأكد أن الحرب الأوكرانية تجاوزت حدود بلاده لتتحول إلى اختبار صارخ لمبدأ الأمن الأوروبي الجماعي. ولهذا، يرى زيلينسكي أن التفريط في الأراضي أو القبول بخطوط فصل جديدة سيمثل سابقة تهدد دولًا أخرى، خصوصًا في شرق أوروبا، حيث تتصاعد المخاوف من نماذج عدوان مشابهة. ويأتي هذا التشديد انسجامًا مع خطاب كييف في الأشهر الأخيرة، الذي يقوم على فكرة أن أي سلام هش لا يضمن الأمن سيكون مقدمة لجولة جديدة من العنف.
تشكيك في رواية موسكو عن «التقدم الكبير»
قلل زيلينسكي من أهمية التقارير الروسية التي تتحدث عن «اختراقات ميدانية واسعة» على الجبهة الشرقية، معتبرًا أنها جزء من حرب نفسية تهدف إلى الضغط على أوكرانيا قبل أي جلسات تفاوضية. وشدد على أن ما يروّج له الجيش الروسي لا يعكس واقع العمليات، وأن القوات الأوكرانية لا تزال قادرة على المناورة والصمود رغم صعوبة الوضع. ويرى مراقبون أن تسليط موسكو الضوء على تقدمها العسكري يستهدف إظهارها في موقع المتفوق قبيل أي ترتيبات سياسية محتملة، في محاولة لتقوية موقفها التفاوضي. إلا أن كييف، بحسب تصريحات زيلينسكي، تعتبر هذه الاستراتيجية محاولة لتضليل المجتمع الدولي ودفع الأوروبيين والأميركيين نحو الاعتقاد بأن ميزان القوى يميل لصالح روسيا. ووفقًا للرئيس الأوكراني، فإن التصعيد الإعلامي الروسي يهدف أيضًا إلى التأثير على الرأي العام الأوكراني وزرع الشكوك حول قدرة الحكومة على الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.
اتصال محتمل مع ترامب بعد مهمة ويتكوف
كشف زيلينسكي أنه يأمل في إجراء اتصال قريب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، موضحًا أنه ينتظر أولًا عودة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف من موسكو هذا الأسبوع لتقييم نتائج محادثاته مع الجانب الروسي. ويعد ويتكوف أحد أبرز القنوات الجديدة التي تعتمد عليها الإدارة الأميركية لإعادة هيكلة حوارها مع موسكو، خصوصًا في ظل تغيرات محسوسة في السياسة الخارجية لواشنطن تجاه الحرب الأوكرانية. ويرى محللون أن نتائج مهمته قد تؤثر بشكل مباشر على اتجاهات البيت الأبيض في المرحلة المقبلة، سواء بتشجيع مسار تفاوضي أو بتشديد الدعم العسكري لأوكرانيا. وأكد زيلينسكي أنه لن يتخذ أي خطوات جديدة قبل الاطلاع على التقييم الأميركي الكامل، معتبرًا أن التعاون بين كييف وواشنطن لا يزال عنصرًا حاسمًا في تحديد مستقبل الحرب. وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الأميركي المقبل في إدارة الصراع، خصوصًا مع اصطفاف أوروبي متحفظ تجاه أي حلول قد تتجاوز إرادة أوكرانيا.
ماكرون: عقوبات أشد واستخدام الأصول الروسية المجمدة
اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن اللحظة الراهنة قد تمثّل نقطة تحول مهمة في مسار الحرب، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي يدرس حزمة جديدة من العقوبات تستهدف قطاعي النفط والغاز و«أسطول الظل» الذي تستخدمه روسيا للالتفاف على القيود المفروضة عليها. وأوضح ماكرون أن هذه الإجراءات قد تحدث «تغييرًا جذريًا» في قدرة موسكو على تمويل عملياتها العسكرية داخل أوكرانيا. كما جدّد دعمه لاستخدام الأصول الروسية المجمدة داخل أوروبا لتمويل المساعدات الموجهة إلى كييف، مشيرًا إلى أن العمل جارٍ لتطوير صيغة قانونية متوافق عليها داخل الاتحاد رغم اعتراض بعض الدول. ولفت إلى أن أي ترتيبات أمنية تخص مستقبل أوكرانيا لا يمكن أن تُفرض دون مشاركتها، مؤكدًا أن أوروبا هي المتأثر الأول بأي تعديل في منظومة الأمن الإقليمي. وتنسجم تصريحات ماكرون مع توجه أوروبي يهدف إلى تشديد الخناق الاقتصادي على روسيا مقابل توسيع مظلة الدعم الممنوحة لأوكرانيا.

لا سلام مفروض على أوكرانيا
اتفق ماكرون وزيلينسكي على مبدأ أساسي يتمثل في أن «لا قرارات بشأن أوكرانيا دون أوكرانيا، ولا سلام يُفرض فوق رأسها»، وهو المبدأ الذي تبنته مؤخرًا عدة عواصم أوروبية. وقد أكّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في برلين أن أي اتفاق سلام لا بد أن يضمن مصالح كييف الأساسية، وأن أي تسوية مفروضة ستخدم موسكو فقط على حساب الأمن الأوروبي. وتخشى عدة دول أوروبية من محاولات دفع أوكرانيا نحو تنازلات تُستخدم كمدخل لإنهاء الحرب بصورة سريعة لكنها غير مستقرة. ويرى الأوروبيون أن اتفاقًا غير متوازن قد يمهّد لجولة جديدة من الاعتداءات الروسية مستقبلاً. ويشكل هذا الإجماع الأوروبي رسالة واضحة مفادها أن الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا سيستمر طالما بقيت خطوطها الحمراء قائمة، وأن أي مقاربة للحل يجب أن تنطلق من مبدأ حماية الأمن القاري لا منطق الإكراه السياسي.
قلق أوروبي من ضغوط تنازل مبكر
تعالت الأصوات داخل الاتحاد الأوروبي محذرة من أي ضغوط تُمارس على كييف لدفعها نحو تنازلات مبكرة في سياق البحث عن تسوية. وأكد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد أن دور أوروبا يجب أن يكون دعم الضحية لا مكافأة المعتدي، مضيفًا أن الضغط على أوكرانيا لتقديم تنازلات قد يخلق سابقة خطرة داخل النظام الدولي. ويرى مراقبون أن خشية الأوروبيين تعود إلى تجارب تاريخية أثبتت أن التسويات التي تأتي على حساب الدولة المُعتدى عليها تؤدي غالبًا إلى تفاقم النزاعات مستقبلًا، لا إلى إنهائها. كما تخشى بروكسل من أن أي حل غير متوازن سيقوّض الثقة في قدرة الاتحاد على حماية شركائه. وتؤكد هذه المواقف أن أوروبا تتحرك اليوم بوعي أكبر تجاه ضرورة تعزيز صمود أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا، وأنها لن تدعم أي مبادرة تضع كييف في موقع الطرف المضغوط أو المجبر على قبول ترتيبات لا تضمن أمنها على المدى الطويل.

احتضان سياسي ورسالة رمزية من باريس
اختُتم المؤتمر الصحفي بلقطة لافتة حين تبادل ماكرون وزيلينسكي عناقًا واضحًا أمام عدسات الإعلام، في مشهد حمل دلالات رمزية أرادت باريس تأكيدها. فبالنسبة لفرنسا، لم يكن الأمر مجرد إظهار للتضامن السياسي فحسب، بل أيضًا رسالة مفادها أن باريس مستعدة لتكون لاعبًا رئيسيًا في أي مسار تفاوضي مقبل، شرط احترام الخطوط الحمراء الأوكرانية. ويرى محللون أن هذه الإشارة تحمل بُعدين: الأول سياسي يتعلق باستمرار الالتزام الفرنسي بدعم أوكرانيا عسكريًا ودبلوماسيًا، والثاني يتعلق بتعزيز صورة فرنسا كضامن أوروبي لأي حل مرتقب. كما يعكس المشهد رغبة باريس في تقوية محور الدعم الأوروبي لكييف، في مواجهة الضغوط الدولية التي قد تدفع باتجاه حلول سريعة لا تراعي مصالحها. بذلك تتحول باريس تدريجيًا إلى منصة توازن بين جهود الوساطة من جهة، والحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي من جهة أخرى، في لحظة تتحدد فيها ملامح مستقبل الحرب الأوكرانية.




