بوتين يرحّب بخطة ترامب لإنهاء حرب أوكرانيا… ومخاوف أوروبية من “تسوية مفروضة” لصالح موسكو
تدخل الحرب الروسية–الأوكرانية يومها رقم 1,368 وسط تصاعد غير مسبوق في الجدل الدولي بشأن الخطة الأمريكية الجديدة لإنهاء النزاع، بعدما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن هزيمة بلاده عسكريًا ليست سوى “وهم” تتشبث به كييف وحلفاؤها الأوروبيون. وتلقّت موسكو نسخة مكوّنة من 28 بندًا من الخطة التي يعدّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أساسًا لـ“تسوية نهائية”، الأمر الذي أثار قلقًا واسعًا في العواصم الأوروبية التي تخشى أن تكون التسوية المقترحة أقرب إلى صيغة “مفروضة” تمنح روسيا مكاسب سياسية كبرى على حساب أوكرانيا. وبينما تُظهر واشنطن تصميمًا على فرض جدول زمني سريع للقبول بالخطة، تبدو كييف محاصرة بضغوط سياسية غير مسبوقة. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت الحرب تقترب من نهايتها أم من مرحلة أكثر تعقيدًا تعيد رسم ميزان القوى في أوروبا.
بوتين يرحّب بالخطة الأمريكية
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع لمجلس الأمن الروسي أن موسكو استلمت نسخة “محدَّثة” من الخطة الأمريكية الجديدة التي تضم 28 بندًا، مشيرًا إلى أنها تستند إلى ما نوقش سابقًا مع واشنطن قبل قمة ألاسكا. ورغم انتقاد أوكرانيا الشديد للخطة، قال بوتين إن كييف ما تزال “تعيش في أوهام” إمكان إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا. ويشير الترحيب الروسي بالخطة إلى رغبة في استثمار التوجه الأمريكي الجديد، لكنّه يعكس في الوقت نفسه مخاوف أوروبية من أن تركّز البنود على تثبيت مكاسب موسكو الميدانية. وبحسب خبراء، فإن قبول روسيا بالخطة قد يعني أنها ترى فيها صياغة أقرب إلى اتفاق نهائي يُنهي الحرب بشروط مريحة، خصوصًا أن موسكو تعتبر تغيّر المواقف الأمريكية فرصة لإعادة ترتيب مسار التفاوض بما يضمن أمنها الإقليمي وعمقها الاستراتيجي.
زيلينسكي: لحظة هي الأخطر في تاريخنا
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ردّ بخطاب شديد اللهجة أكد فيه أن أوكرانيا تعيش “أحد أخطر اللحظات التاريخية” منذ اندلاع الحرب. وفي كلمة متلفزة امتدت عشر دقائق، قال إن القبول بالخطة الأمريكية المطروحة قد يترك بلاده “بلا حرية ولا كرامة ولا عدالة”، معتبرًا أن أي تسوية لا تتضمن انسحابًا روسيًا واضحًا ستُعد “استسلامًا ضمنيًا”. وتشير تقارير للغارديان إلى أن ترامب منح كييف مهلة حتى الخميس لقبول الاتفاق، وهو ما زاد حدة القلق داخل القيادة الأوكرانية. كما تعهد زيلينسكي بالدفاع عن “استقلال أوكرانيا السياسي والسيادي” مهما كانت الضغوط، مؤكدًا أن الشعب الأوكراني لن يقبل بأي اتفاق ينتقص من أرضه أو حقوقه. ويرى مراقبون أن كييف تواجه الآن اختبارًا وجوديًا قد يحدد شكل الدولة لعقود مقبلة.
واشنطن: دعم غير مجدٍ إذا تجاهلنا الواقع
داخل الولايات المتحدة، برز موقف نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الذي قال إن الاعتقاد بإمكان انتصار أوكرانيا عبر إرسال مزيد من الأموال أو الأسلحة هو “خيال”، داعيًا إلى تبني مقاربة “واقعية” تُفضي إلى اتفاق يحفظ سيادة أوكرانيا ويُرضي الطرفين. وتأتي هذه المواقف في سياق تغيير واضح في أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة، التي تؤكد – بحسب تصريحات رئاسية – أن الحرب “طالت أكثر مما ينبغي”. ويشير محللون إلى أن هذا التحول يحمل دلالات سياسية داخلية، خصوصًا أن واشنطن تسعى لخفض تكاليف دعم كييف، وفي الوقت ذاته تحاول تجنّب انهيار كامل للقدرات الأوكرانية. وبينما يرى البعض أن تصريحات فانس تعكس رغبة في إنهاء الحرب سريعًا، يحذّر آخرون من أنها قد تُضعف موقف كييف التفاوضي وتمنح موسكو مزيدًا من النفوذ على طاولة التسوية.
أوروبا تدعم سياسيًا… وتفتقر إلى النفوذ
على الرغم من إعلان قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا دعمهم “الكامل والثابت” لأوكرانيا، يدرك الأوروبيون أن قدرتهم على التأثير في الخطة الأمريكية محدودة للغاية، خاصة وأن واشنطن تطرحها كمسار شبه نهائي. وتخشى العواصم الأوروبية أن يؤدي فرض اتفاق من هذا النوع إلى إضعاف الأمن الأوروبي على المدى الطويل، إذا اعتُبر سابقة تشجّع روسيا على مزيد من التوسع. وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كاجا كالاس أن “روسيا لا تملك حقًا قانونيًا للمطالبة بأي تنازلات من دولة غزتها”، محذرة من أن تسوية مفروضة قد تضع أوروبا في مواجهة تهديدات استراتيجية جديدة. ويرى خبراء أن أوروبا تحاول إيجاد مساحة سياسية للمشاركة في صياغة التفاهمات النهائية، لكنها تجد نفسها محاصرة بين مقاربة أمريكية حاسمة وموقف روسي يسعى لتعظيم المكاسب.
توتر في اجتماعات الحلفاء وخطة غير قابلة للتفاوض
بحسب “فايننشال تايمز”، أبلغت إدارة ترامب مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين أن الخطة الأمريكية “غير قابلة للتفاوض” تقريبًا، ما أثار توترًا واسعًا خلال اجتماع جمع وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول مع دبلوماسيين أوروبيين. ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أوروبي وصفه للاجتماع بأنه “مقزز”، في إشارة إلى الضغوط الكبيرة المفروضة على الحلفاء للامتثال للرؤية الأمريكية. وتقول مصادر غربية إن واشنطن تريد إنهاء الحرب قبل الدخول في تحديات دولية أخرى، معتبرة أن أي تأخير سيزيد كلفة الصراع. وفي الوقت نفسه، يحاول زيلينسكي الحفاظ على دعم الحلفاء رغم إدراكه أن هامش المناورة يضيق. وتشير القراءات الأوروبية إلى أن الخطة تفتقر لمعادلة تضمن التوازن السياسي والأمني، ما يزيد من المخاوف بشأن مسار المرحلة المقبلة.
تحركات في مجموعة العشرين وتساؤلات حول كوريا الشمالية
مع استعداد رؤساء دول مجموعة العشرين للقاء في جوهانسبرغ، يسعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بحث سبل “تعزيز” خطة ترامب بدل استبدالها، في محاولة لخلق توافق دولي يمنح كييف بعض الهوامش الإضافية. ويؤكد ستارمر أن الهدف هو “دعم مسار تفاوضي يحقق سلامًا فعالًا ودائمًا”، لكن مراقبين يشيرون إلى أن القدرة الأوروبية لا تزال محدودة. في موازاة ذلك، أثار سفير بولندا في كوريا الجنوبية مخاوف كبيرة بشأن مشاركة كوريا الشمالية في الحرب إلى جانب روسيا، بعد تقارير عن مقتل مئات الجنود الكوريين الشماليين في العمليات. ويسلط هذا الملف الضوء على توسع دائرة النزاع، وتحوله تدريجيًا إلى ساحة تجاذب بين قوى دولية تبحث عن أوراق نفوذ جديدة في مواجهة الغرب.
مشهد ختامي ينذر بمرحلة أشد تعقيدًا
بين ترحيب بوتين بالخطة الأمريكية، ومهلة ترامب القصيرة، وتخوّف زيلينسكي من فقدان “حرية وكرامة” بلاده، تبدو الحرب الأوكرانية على أعتاب منعطف قد يعيد رسم مستقبل الأمن الأوروبي برمته. ومع محدودية النفوذ الأوروبي، وإصرار واشنطن على فرض اتفاق سريع، وحرص موسكو على ترجمة مكاسبها الميدانية سياسيًا، تزداد مخاوف أن تكون التسوية المطروحة أقرب إلى اتفاق غير متوازن يُفرض على أوكرانيا أكثر مما يُتفاوض عليه. وبينما يحشد الحلفاء جهودهم لتعديل بنود الخطة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متناقضة قد تتراوح بين وقف إطلاق نار هشّ، أو تصعيد جديد قد يغيّر حسابات الجميع.



