صدام صناعي يهدد مشروع المقاتلة الأوروبية.. داسو تحذر: البرنامج قد “يموت” إذا استمر خلاف إيرباص

تواجه أوروبا واحدة من أخطر الأزمات في مشروعها الدفاعي المشترك، بعدما حذرت شركة داسو للطيران الفرنسية من أن مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية قد ينهار بالكامل إذا استمرت الخلافات الحادة مع شركة إيرباص. المشروع الذي تبلغ قيمته نحو 100 مليار يورو يمثل حجر الزاوية في طموحات القارة لبناء قدرات دفاعية مستقلة وتعزيز صناعاتها العسكرية في مواجهة التحديات الجيوسياسية المتزايدة.
لكن الخلافات العميقة بين باريس وبرلين حول كيفية تقاسم الأدوار الصناعية وقيادة البرنامج باتت تهدد بإفشال المشروع الذي بدأ العمل عليه قبل نحو ثماني سنوات. وفي ظل تباين الرؤى السياسية والتقنية بين البلدين، تصاعدت التحذيرات من أن المشروع قد يصل إلى طريق مسدود، وهو ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات بديلة تشمل تطوير برامج منفصلة للمقاتلات المستقبلية داخل أوروبا.
وتزداد حساسية الأزمة في وقت تسعى فيه دول الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتمادها على الصناعات العسكرية الأمريكية وبناء منظومة دفاعية مشتركة أكثر استقلالية. غير أن الخلافات الصناعية بين الشركات الكبرى قد تعرقل هذه الطموحات الاستراتيجية، وتضع مستقبل المشروع على المحك، وفقًا لتقرير فاينانشيال تايمز.
خلافات حادة تعرقل مشروع المقاتلة الأوروبية
أطلقت فرنسا وألمانيا مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) عام 2017 باعتباره أحد أكبر برامج التسليح الأوروبية في القرن الحادي والعشرين. ويهدف المشروع إلى تطوير مقاتلة من الجيل السادس تدخل الخدمة بحلول عام 2040، إلى جانب منظومة متكاملة من الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار المتطورة وشبكات الاتصال القتالية.
لكن المشروع واجه منذ بدايته خلافات متكررة بين شركة داسو للطيران الفرنسية، التي يفترض أن تقود تطوير الطائرة المقاتلة، وبين فرع شركة إيرباص الألماني الذي يمثل مصالح ألمانيا وإسبانيا داخل البرنامج.
وتتمحور الأزمة حول كيفية توزيع الأعمال التقنية والصناعية داخل المشروع، خاصة فيما يتعلق بالمكون الأكثر حساسية، وهو الطائرة المقاتلة الرئيسية. فبينما تصر فرنسا على قيادة داسو للمشروع باعتبارها الشركة الأكثر خبرة في تصميم المقاتلات، ترغب ألمانيا في دور أكبر لإيرباص، وهو ما أدى إلى تأخير متكرر في مراحل التطوير.
داسو: المشروع “ميت” إذا استمر موقف إيرباص
الرئيس التنفيذي لشركة داسو، إريك ترابييه، كشف بوضوح حجم التوتر بين الطرفين عندما صرح بأن المشروع قد يصبح “ميتًا” إذا استمرت إيرباص في رفض التعاون بالشكل الذي تطالب به الشركة الفرنسية.
وقال ترابييه إن المشكلة الأساسية تكمن في رفض إيرباص الاعتراف بقيادة داسو لبرنامج تطوير الطائرة، وهو ما وصفه بأنه نقطة الخلاف الرئيسية التي تعيق التقدم في المشروع.
وأوضح أن الخلافات أصبحت عميقة إلى درجة تبدو معها بعض المواقف “غير قابلة للتوفيق”، مؤكدًا أن استمرار هذا الوضع سيجعل من المستحيل المضي قدمًا في البرنامج.
كما أشار إلى أن المشروع يواجه بالفعل “صعوبات حقيقية”، وأن مستقبل التعاون الصناعي بين الشركتين أصبح موضع تساؤل في ظل استمرار الخلافات حول الإدارة والقيادة التقنية للبرنامج.
باريس تحاول إنقاذ المشروع الأوروبي
على المستوى السياسي، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إنقاذ المشروع والحفاظ عليه باعتباره جزءًا أساسيًا من استراتيجية أوروبا الدفاعية.
وكان ماكرون قد أكد في تصريحات سابقة أن أوروبا بحاجة ماسة إلى مشروع FCAS لتعزيز استقلالها العسكري، مشيرًا إلى أن المشروع يمثل ثمرة اتفاق سابق مع المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل.
لكن تصريحات المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس أظهرت وجود فجوة متزايدة بين البلدين، إذ قال إن فرنسا وألمانيا لديهما احتياجات مختلفة فيما يتعلق بمواصفات الطائرة، ما يجعل التوصل إلى حل وسط أمرًا صعبًا.
هذا التباين في الرؤى يزيد من تعقيد المشروع ويضعه أمام تحديات سياسية وصناعية كبيرة.
سيناريو الانقسام الأوروبي في تطوير المقاتلة
في ظل تعثر المشروع المشترك، بدأت تظهر أفكار داخل ألمانيا تدعو إلى تطوير مقاتلة منفصلة بعيدًا عن التعاون مع فرنسا، مع الإبقاء فقط على التعاون في بعض الجوانب الأخرى من البرنامج.
وقد أيدت بعض النقابات الصناعية الألمانية هذا الطرح، معتبرة أن الجمود الحالي في مشروع FCAS يضر بالصناعة الأوروبية ويؤخر تطوير القدرات العسكرية للقارة.
لكن باريس تعارض بشدة هذا السيناريو، إذ حذر ماكرون من أن تطوير نسختين مختلفتين من مقاتلة الجيل السادس سيكون “أمرًا عبثيًا”، لأن ذلك سيقسم الموارد الأوروبية ويضعف القدرة التنافسية للصناعة الدفاعية في القارة.
كما أكد مسؤولو داسو أن فرنسا لا يمكنها قبول فكرة تطوير طائرتين منفصلتين في الوقت نفسه.
ازدهار أعمال داسو رغم الأزمة
المفارقة أن هذه الأزمة تأتي في وقت تشهد فيه شركة داسو ازدهارًا ملحوظًا في أعمالها، خاصة مع الطلب المتزايد عالميًا على مقاتلة رافال الفرنسية.
وقد ارتفعت مبيعات الشركة بنسبة 19% العام الماضي لتصل إلى 7.4 مليار يورو، مع تسليم 26 طائرة رافال إضافة إلى عدد من الطائرات الخاصة من طراز فالكون.
كما تعمل الشركة على زيادة وتيرة الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد، رغم أنها لا تزال بعيدة عن هدفها المتمثل في إنتاج ثلاث طائرات رافال شهريًا بدلًا من طائرتين حاليًا.
وفي الوقت نفسه تجري داسو مفاوضات مع الهند بشأن صفقة ضخمة قد تشمل شراء 114 طائرة رافال مع إنشاء خطوط تجميع محلية داخل الهند، وهو ما قد يمثل أحد أكبر العقود في تاريخ الشركة.
إيرباص: الخلاف ليس شخصيًا لكن الطريق مسدود
من جانبها، حاولت شركة إيرباص تهدئة التوتر، إذ أكد الرئيس التنفيذي للشركة غيوم فوري أن الجسور بين الشركتين “لم تُحرق بعد”، وأن الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى قضية شخصية.
لكنه أقر في الوقت نفسه بوجود “طريق مسدود” في المفاوضات، موضحًا أن الخلاف يتعلق بتوقعات مختلفة بين الشركاء بشأن طريقة إدارة المشروع ومعنى القيادة والتعاون الصناعي داخله.
ويعكس هذا التصريح حجم التعقيد الذي يواجهه المشروع الأوروبي الطموح، والذي بات مستقبلُه معلقًا على قدرة فرنسا وألمانيا على تجاوز خلافاتهما الصناعية والسياسية خلال المرحلة المقبلة.



