تصعيد اقتصادي خطير: الصين تهدد أوروبا بإجراءات انتقامية بسبب قانون صُنع في أوروبا الجديد

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، دخلت العلاقات الاقتصادية بين الصين والاتحاد الأوروبي مرحلة توتر جديدة بعد تحذير بكين من اتخاذ “إجراءات مضادة” في حال تضررت شركاتها من مشروع قانون أوروبي يستهدف تعزيز الصناعة داخل القارة. ويأتي هذا القانون، الذي يُعرف باسم “قانون تسريع الصناعة”، ضمن مساعي الاتحاد الأوروبي لتقليل اعتماده على الواردات منخفضة التكلفة، خصوصًا القادمة من الصين، وحماية قطاعات استراتيجية مثل السيارات والطاقة النظيفة. في المقابل، ترى بكين أن هذه الخطوة تمثل تمييزًا غير عادل ضد شركاتها، وتتناقض مع مبادئ السوق الحرة والتجارة الدولية. ويعكس هذا التوتر المتصاعد صراعًا أوسع على النفوذ الصناعي والتكنولوجي عالميًا، في وقت تسعى فيه القوى الكبرى لإعادة رسم سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد المتبادل في القطاعات الحيوية.
قانون أوروبي جديد يعيد تشكيل قواعد المنافسة
يسعى الاتحاد الأوروبي من خلال مشروع “قانون تسريع الصناعة” إلى رفع مساهمة التصنيع في اقتصاده إلى 20% بحلول عام 2035، مقارنة بنحو 14.3% حاليًا. ويعتمد هذا التوجه على فرض قيود صارمة على الاستثمارات الأجنبية، خاصة من الدول التي تهيمن على الإنتاج العالمي في قطاعات استراتيجية مثل البطاريات والطاقة الشمسية والطاقة النووية. القانون لا يهدف فقط إلى دعم الصناعة المحلية، بل إلى إعادة توطين سلاسل الإنتاج داخل أوروبا، في محاولة لتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، وعلى رأسهم الصين، التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في هذه الصناعات خلال العقدين الماضيين.
بكين ترى “تمييزًا اقتصاديًا” وتلوّح بالرد
وزارة التجارة الصينية اعتبرت أن القانون المقترح يتضمن شروطًا تمييزية بحق المستثمرين الأجانب، مثل إلزام الشركات باستخدام نسبة كبيرة من العمالة المحلية الأوروبية، وإشراك شركات محلية في عمليات التصنيع، فضلًا عن نقل التكنولوجيا إلى الشركاء الأوروبيين. وترى بكين أن هذه الشروط تتعارض مع مبادئ المنافسة العادلة، وتهدد جاذبية السوق الأوروبية للاستثمارات الصينية. التحذير الصيني لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل حمل تهديدًا صريحًا باتخاذ إجراءات مضادة، دون الكشف عن طبيعتها، ما يفتح الباب أمام تصعيد اقتصادي محتمل بين الطرفين.
جذور الأزمة: دعم حكومي ضخم وتفوق صناعي صيني
يأتي هذا التصعيد في ظل اتهامات متكررة من شركاء الصين التجاريين بأنها تعتمد على دعم حكومي كبير لقطاعها الصناعي، ما يمنح شركاتها ميزة تنافسية غير عادلة. وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الدعم الذي يحصل عليه المصنعون في الصين يتجاوز ما يحصل عليه نظراؤهم في الدول المتقدمة بعدة أضعاف. هذا الواقع أدى إلى تدفق السلع الصينية إلى الأسواق العالمية بأسعار منخفضة، ما تسبب في ضغوط كبيرة على الصناعات المحلية في أوروبا، ودفع الحكومات الأوروبية إلى البحث عن أدوات لحماية اقتصاداتها.
أوروبا بين حماية الصناعة والحفاظ على التجارة
الاتحاد الأوروبي يجد نفسه في موقف معقد، إذ يسعى من جهة إلى حماية صناعاته الاستراتيجية وتعزيز استقلاله الاقتصادي، ومن جهة أخرى يحاول تجنب الدخول في مواجهة تجارية مفتوحة مع الصين، التي تُعد أحد أهم شركائه التجاريين. كما أن التوقيت حساس، في ظل محاولات الصين الحفاظ على علاقاتها مع أوروبا، خاصة مع استمرار التوترات التجارية بينها وبين الولايات المتحدة. هذا التوازن الدقيق يجعل من القانون المقترح خطوة محفوفة بالمخاطر، قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية أوسع إذا لم يتم التعامل معها بحذر.
تداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي
إذا تطور الخلاف إلى إجراءات متبادلة، فقد نشهد موجة جديدة من الحمائية الاقتصادية، تؤثر على سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة. كما قد يؤدي ذلك إلى تباطؤ في الاستثمارات العابرة للحدود، وزيادة التكاليف على الشركات، ما سينعكس في النهاية على المستهلكين. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي تصعيد بين الصين وأوروبا قد يعيد تشكيل التحالفات الاقتصادية العالمية، ويعزز الاتجاه نحو “تكتلات اقتصادية” منفصلة بدلًا من نظام التجارة الحرة الذي ساد لعقود.
السيناريو المتوقع: مفاوضات صعبة أو مواجهة مفتوحة
من المرجح أن تشهد الفترة المقبلة مفاوضات مكثفة بين الجانبين لتجنب التصعيد، خاصة أن القانون لا يزال بحاجة إلى موافقة الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي قبل دخوله حيز التنفيذ. ومع ذلك، فإن إصرار أوروبا على حماية صناعاتها، مقابل تمسك الصين بمصالح شركاتها، قد يؤدي إلى صدام اقتصادي إذا فشلت هذه المفاوضات. السيناريو الأكثر ترجيحًا هو التوصل إلى صيغة وسط، لكن في حال تعثرت المحادثات، فإن العالم قد يكون على أعتاب جولة جديدة من الصراعات التجارية الكبرى.



