أزمة البنتاغون: هيجسيث بين الضغوط السياسية والفضائح العسكرية
تعيش وزارة الدفاع الأمريكية مرحلة حرجة لم تشهد لها مثيلًا منذ سنوات، بعد انكشاف سلسلة فضائح تتعلق بوزير الدفاع بيت هيجسيث، ما يضع البنتاغون أمام اختبار وجودي حقيقي في إدارة القوات الأمريكية وحماية الأمن القومي. تأتي هذه الفضائح في توقيت حساس سياسيًا وعسكريًا، إذ يتوسع ترامب في دعم مستشاريه المقربين رغم الانتقادات الحادة من الحزبين، ويظهر الخلل في سلسلة القيادة عند اتخاذ القرارات الميدانية، ما يرفع المخاطر على الجنود الأمريكيين ويضع مصداقية الولايات المتحدة على المحك أمام العالم. وتكشف هذه الأزمة عن تصادم بين مسؤوليات القيادة العسكرية والانضباط المؤسسي، وبين الرغبات السياسية والرعاية الشخصية من الرئيس، في حين أن المجتمع السياسي والخبراء القانونيون يصفون أسلوب هيجسيث بأنه متهور ويشكّل تهديدًا مباشرًا على فعالية العمليات العسكرية واستقرار البنتاغون.
ضربات مزدوجة في البحر الكاريبي تُشعل الجدل
تركزت الفضيحة الأولى على هجوم بحري في الثاني من سبتمبر، عندما تم تنفيذ ضربة أولى ضد قارب يُشتبه في تهريب المخدرات، تلتها ضربة ثانية “Double Tap” قضت على ناجيين متمسكين بالحطام، ما أثار موجة غضب في الكونغرس والرأي العام. وقد أقر هيجسيث لاحقًا بصحة الحادثة، مبررًا إياها بـ”ضباب الحرب”، بينما يواصل خبراء مكافحة المخدرات التشكيك في كفاءة الاستراتيجية البحرية، مؤكدين أن أغلب تهريب الفنتانيل يتم عبر الحدود البرية وليس البحار. ووصفت سيناتور باتي موراي هيجسيث بأنه غير مؤهل، في حين اعتبر “تكتل الديمقراطيين الجدد” أنه يشكّل خطرًا على حياة الجنود. هذه الضربات أبرزت فجوة واضحة في المسؤولية القيادية، ووضعت البنتاغون في مواجهة اتهامات قانونية وأخلاقية حول تسيير العمليات العسكرية خارج الأطر القانونية المتعارف عليها دوليًا.

تسريب معلومات سرية يزيد الضغوط
الفضيحة الثانية كشفت عنها وزارة الدفاع عبر تقرير المفتش العام، موضحة أن هيجسيث شارك توقيتات دقيقة لغارات جوية في اليمن من خلال هاتف شخصي غير آمن، متجاوزًا لوائح حفظ السجلات وحذف رسائل مهمة، ما كان يمكن أن يعرض الطيارين للخطر ويعرقل العمليات. وأكد سيناتور جاك ريد أن أي وصول لهذه المعلومات للحوثيين كان سيسمح لهم باستهداف القوات الأمريكية. ورغم ذلك، أصر هيجسيث على نفي المسؤولية عبر وسائل التواصل، ما يعكس نمطًا من الاستهتار المؤسسي. هذا التسريب يعكس هشاشة الأطر الأمنية والتقنية المستخدمة لإدارة المعلومات المصنفة، ويضع قيادات البنتاغون أمام ضرورة مراجعة آليات حماية البيانات العسكرية، وسط تصاعد القلق من استغلال هذه الثغرات في النزاعات الإقليمية.

فوضى قيادية بين البيت الأبيض والبنتاغون
اتسمت سلسلة القيادة بالارتباك، حيث تضاربت الروايات بين البيت الأبيض والبنتاغون بشأن من اتخذ قرار الضربة الثانية. البيت الأبيض نسب القرار لقائد “سوكوم الجنوب”، بينما أصر هيجسيث على أنه تم بتفويض منه، وأوضح ترامب لاحقًا أنه “ربما كان سيعارض الضربة الثانية”. هذه الفوضى أظهرت ضعف التنسيق المؤسسي، مع مزاعم أن هيجسيث استغل التحقيقات الداخلية للتخلص من مستشارين، ما يضع مصداقية القيادة العسكرية تحت مجهر التدقيق. ومن جانبه، بدأ بعض الجمهوريين مثل راند بول ودون بيكون بالتعبير عن الشكوك في كفاءته، رغم استمرار دعم ترامب، مما يجعل استقالته مستبعدة ويؤكد أن القرار السياسي لا يزال محور السيطرة على مسار الأزمات في البنتاغون.
إشكاليات قانونية وتشكيك دولي
تصر الإدارة على اعتبار هذه العمليات جزءًا من “نزاع مسلح” مع كارتلات مخدرات مصنفة إرهابية، رغم عدم تقديم أدلة علنية، ما يثير تساؤلات حول الإطار القانوني الدولي لهذه الضربات. خبراء القانون الدولي يحذرون من هشاشة هذا الموقف القانوني، والذي قد يسمح بالطعن داخليًا وخارجيًا على العمليات العسكرية، ما يزيد من الضغوط على هيجسيث ويدفع إلى نقاش أوسع حول الحدود القانونية لمهام وزارة الدفاع. وتسلط هذه القضية الضوء على تداخل السياسة والإجراءات العسكرية، ما يعكس الحاجة الملحة لتحديث قواعد العمليات ورفع مستوى المساءلة داخل البنتاغون لضمان عدم تكرار أخطاء تكلف القوات حياة ومصداقية الدولة الأمريكية.

توازن القوى ومستقبل القيادة العسكرية
تكشف هذه الفضائح المتلاحقة عن نمط خطير من الاستهتار والافتقار للانضباط المؤسسي لدى وزير الدفاع، لكن استمرار دعم ترامب له يجعل الأزمة مستمرة ومفتوحة على مزيد من التعقيدات. ومع اتساع غضب الكونغرس وتحذيرات خبراء الأمن القومي، يبدو أن مستقبل قيادة البنتاغون على المحك، وأن أي قرار متسرع قد يعقد قدرات الولايات المتحدة على إدارة عملياتها العالمية بكفاءة. وتؤكد هذه التطورات على أهمية الموازنة بين النفوذ السياسي والمسؤولية العسكرية، وضمان آليات رقابية قوية تحمي الجنود والمعلومات الحساسة. في الوقت ذاته، يشير استمرار هيجسيث في منصبه إلى أن السياسة الداخلية الأمريكية يمكن أن تتجاوز المعايير المهنية، بما يضع البنتاغون في مواجهة تحديات معقدة تستدعي مراقبة دقيقة وتحرك سريع لتجنب مزيد من الفوضى.



