سحر الفوضى في كأس أمم أفريقيا… ما وراء الضجيج والذهب السنغالي

بعد أيام من تتويج السنغال بلقب النسخة الـ35 من كأس أمم أفريقيا، ما زالت أصداء البطولة تتردد خارج حدود الملاعب، متجاوزة حدود كرة القدم إلى فضاء أوسع من السياسة والثقافة والهوية. البطولة التي احتضنتها المغرب لم تكن مجرد مسابقة رياضية تقليدية، بل حدثًا مكثفًا عكس تناقضات القارة، من التنظيم الفخم إلى الجدل الصاخب، ومن الاحتفاء الجماهيري إلى توترات ما بعد النهائي. في الرباط والدار البيضاء وطنجة، امتزجت الأغاني بالهتافات، والرموز التاريخية بالمواجهات الكروية، فيما بدا “الكان” كمرآة تعكس أفريقيا المعاصرة بكل ما تحمله من طموح وفوضى وسحر لا يمكن إنكاره. بعيدًا عن ركلات الترجيح والأهداف الحاسمة، كشفت البطولة عن خمس ظواهر كبرى أعادت تعريف معنى كأس أمم أفريقيا في الوعي العالمي.
المغرب والرهان الكبير على الصورة العالمية
دخلت المغرب البطولة وهي تحمل مشروعًا يتجاوز الفوز باللقب أو التنظيم الناجح، إلى محاولة ترسيخ صورتها كوجهة قادرة على استضافة أكبر الأحداث الكروية في العالم. منذ اللحظة الأولى في مطار محمد الخامس، بدت الحملة الدعائية مكثفة، من عروض موسيقية حية إلى شوارع مغطاة بالأعلام وشعارات البطولة. غير أن هذا الاستعراض لم يمر دون انتقادات داخلية، حيث رأى بعض المغاربة أن سرعة بناء الملاعب تتناقض مع بطء معالجة أزمات اجتماعية مزمنة، مثل تداعيات زلزال الحوز أو نقص الخدمات الصحية. وبينما نجح التنظيم عمومًا، أثارت اتهامات سنغالية بسوء المعاملة خلال النهائي، ومشاهد مثيرة للجدل تتعلق بسلوك بعض العاملين داخل الملعب، تساؤلات حول حدود “اللعب النظيف” في لحظة كانت فيها الأنظار العالمية مسلطة على المغرب.
كأس أمم أفريقيا الأكثر اغترابًا في التاريخ
لم تكن المدرجات أفريقية فقط، بل عالمية بامتياز. البطولة عكست اتساع رقعة الشتات الأفريقي، حيث تداخلت اللهجات واللغات والأعلام في مشهد واحد. مغاربة وفرنسيون من أصول سنغالية، نيجيريون من الولايات المتحدة، وصوماليون وإثيوبيون من نيويورك وبروكلين، جميعهم التقوا حول شغف واحد. بالنسبة لكثيرين، لم تكن الرحلة مجرد متابعة كرة قدم، بل عودة رمزية للجذور. هذا الحضور الكثيف للدياسبورا أعاد التأكيد على أن “الكان” ليس حدثًا محليًا، بل مناسبة ثقافية عابرة للقارات، تمتد من مقاهي باريس إلى قاعات المشاهدة في دالاس ولندن، حيث تتحول المباريات إلى احتفالات هوية جماعية.
لومومبا يعود من المدرجات إلى الذاكرة الجماعية
واحدة من أكثر الصور رمزية في البطولة لم تأتِ من لاعب أو هدف، بل من مشجع. شخصية “لومومبا فيا”، الذي جسّد الزعيم الكونغولي التاريخي باتريس لومومبا بصمته الشهيرة داخل المدرجات، تحولت إلى أيقونة بصرية. حضوره الصامت أثار نقاشًا واسعًا حول الإرث الاستعماري والذاكرة السياسية في أفريقيا. الجدل الذي أعقب سخرية لاعب جزائري من هذه الشخصية، ثم اعتذاره لاحقًا، أعاد تسليط الضوء على الحساسية التاريخية المرتبطة بالرموز الأفريقية. كما جاء احتفال المهاجم النيجيري أكور آدامز بوضعية لومومبا ليؤكد أن البطولة لم تكن فقط ساحة تنافس رياضي، بل فضاءً لاستحضار رموز التحرر والكرامة.
انتصار المدربين الأفارقة وتغير موازين القيادة
إحدى العلامات الفارقة في هذه النسخة كانت الحضور القوي للمدربين الأفارقة. للمرة الأولى، قاد مدربون محليون غالبية المنتخبات، ووصل أربعة منهم إلى نصف النهائي. تتويج السنغال بقيادة بابي تياو عزز هذا التحول، مؤكدًا أن الخبرة المحلية باتت قادرة على مجاراة – بل وتجاوز – المدارس التدريبية الأجنبية. نجاح تياو لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج قراءة تكتيكية هادئة وقدرة على إدارة الضغوط في لحظات حاسمة، حتى وسط أجواء عدائية في النهائي. هذا المسار أعاد الاعتبار للمدرب الأفريقي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الثقة في الكفاءات المحلية داخل القارة.
الجدل كوجه آخر للبطولة
رغم الاحتفالات، لم تخلُ البطولة من توترات أثارت انقسامًا واسعًا. أحداث النهائي، من احتجاجات سنغالية إلى تصريحات متبادلة وتهديدات باللجوء للقضاء، أعادت إلى الواجهة صورة “الفوضى المنظمة” التي كثيرًا ما تلاحق كأس أمم أفريقيا. هذه اللحظات، رغم سلبيتها، ساهمت paradoxically في إبقاء البطولة في صدارة الاهتمام العالمي، مؤكدة أن “الكان” ليس حدثًا يمكن التنبؤ بإيقاعه، بل تجربة مشحونة بالعاطفة، حيث تتداخل الرياضة بالسياسة والكرامة الوطنية.
موسيقى المدرجات… ما يبقى بعد صافرة النهاية
بعد انطفاء الأضواء، ظلت الأصوات حاضرة. الأغاني التي رافقت البطولة، من أعمال سنغالية ومغربية وأنغولية، تحولت إلى خلفية دائمة للذكريات. في المدرجات، لم تكن الهتافات مجرد تشجيع، بل شكلًا من أشكال التعبير الثقافي، يمتزج فيه الدعابة بالسخرية والاعتزاز المحلي. من أناشيد “ديما مغرب” إلى هتافات طريفة استهدفت المدربين، بدت الموسيقى والهتاف لغة موحدة، تُختزل فيها روح كأس أمم أفريقيا كاحتفال صاخب بالحياة، قبل أن تكون مجرد بطولة كرة قدم.



