فايننشال تايمز: هل تستطيع أوروبا تطوير بدائل خاصة بها لصواريخ توماهوك الأمريكية؟
أوروبا في مواجهة الخطر الروسي وحدها.. هل يدفع تراجع ترامب القارة إلى سباق صواريخ تاريخي؟
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تعيش أوروبا حالة قلق متصاعدة بعد قرار الرئيس الأمــ.ـــ.ـريكي دونالد ترامب إلغاء خطة نشر صواريخ بعيدة المدى داخل ألمانيا، وهو القرار الذي كشف فجأة حجم الفجوة العسكرية الخطيرة التي تعاني منها القارة الأوروبية في مواجهة روسيا. فبعد عقود اعتمدت خلالها أوروبا على المظلة العسكرية الأمــ.ـــ.ـريكية وصواريخ “توماهوك” وأنظمة الردع الغربية، تجد العواصم الأوروبية نفسها اليوم أمام سؤال مصيري: ماذا لو قررت واشنطن التراجع الكامل عن حماية أوروبا؟ التقرير يكشف أن روسيا تمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ القادرة على ضرب مدن أوروبية خلال دقائق، بينما لا تزال أوروبا عاجزة عن تطوير بدائل مماثلة بسرعة كافية. وفي ظل الحرب الأوكرانية والتوتر المتصاعد مع موسكو، بدأت دول أوروبية بالفعل سباقًا محمومًا لبناء قدراتها الصاروخية الخاصة، لكن الطريق يبدو طويلًا ومكلفًا ومعقدًا، وقد يستغرق أكثر من عقد كامل قبل الوصول إلى نتائج حقيقية.
لماذا شكّل قرار ترامب صدمة لأوروبا؟
إلغاء خطة نشر الصواريخ بعيدة المدى في ألمانيا لم يكن مجرد قرار عسكري عابر، بل اعتبرته عواصم أوروبية رسالة سياسية خطيرة مفادها أن الولايات المتحدة قد لا تكون مستعدة مستقبلاً لتحمل عبء الدفاع الكامل عن القارة.
الخطة التي أُطلقت خلال إدارة جو بايدن كانت تهدف إلى نشر صواريخ دقيقة بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف داخل الأراضي الروسية، وهو ما كان يُنظر إليه باعتباره عنصرًا أساسيًا في ردع موسكو ومنعها من التفكير في أي مواجهة واسعة مع أوروبا.
لكن مع إلغاء المشروع، بدأت مخاوف أوروبية تتصاعد من اتساع “الفجوة العسكرية” بينها وبين روسيا، خاصة أن موسكو تمتلك بالفعل منظومات صاروخية متطورة يصل مداها إلى آلاف الكيلومترات، بينما تعتمد أوروبا بدرجة كبيرة على الدعم الأمــ.ـــ.ـريكي.
ما هي صواريخ “الضربات العميقة” ولماذا تُعتبر حاسمة؟
التقرير يوضح أن ما يُعرف بقدرات “الضربات الدقيقة العميقة” يشمل صواريخ يتراوح مداها بين ألف وثلاثة آلاف كيلومتر، مع قدرة عالية على إصابة أهداف دقيقة مثل القواعد الجوية ومخازن الصواريخ والموانئ العسكرية.
هذه الأسلحة لا تُستخدم فقط أثناء الحروب، بل تُعتبر جزءًا أساسيًا من سياسة الردع. فامتلاك القدرة على ضرب أهداف استراتيجية داخل أراضي الخصم يمنع الطرف الآخر من التفكير في تنفيذ هجوم واسع من الأساس.
الحرب في أوكرانيا قدمت مثالًا واضحًا على ذلك، بعدما استخدمت كييف ضربات بعيدة المدى لاستهداف قواعد روسية ومصانع للطائرات المسيّرة. كما أن التهديدات الغربية السابقة بتوجيه ضربات مباشرة للبنية العسكرية الروسية لعبت دورًا في منع تصعيدات أخطر خلال السنوات الماضية.

لماذا تأخرت أوروبا في تطوير هذه الأسلحة؟
بحسب التقرير، السبب الرئيسي يعود إلى اعتماد أوروبا لعقود طويلة على الحماية الأمــ.ـــ.ـريكية. فمنذ الحرب الباردة، كانت واشنطن هي الضامن الرئيسي للردع التقليدي ضد روسيا، سواء عبر قواعدها العسكرية أو عبر نشر أنظمة صاروخية داخل أوروبا.
كما أن معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى التي وُقعت بين موسكو وواشنطن عام 1987 حدّت بشدة من تطوير هذه النوعية من الصواريخ داخل أوروبا، خوفًا من إشعال سباق تسلح جديد.
لذلك ركزت الدول الأوروبية على أنواع محدودة من الصواريخ قصيرة أو متوسطة المدى، بينما بقيت القدرات بعيدة المدى محدودة للغاية مقارنة بالترسانة الروسية أو الأمــ.ـــ.ـريكية.

أوروبا مكشوفة أمام الترسانة الروسية
التقرير يشير إلى أن روسيا تمتلك اليوم عددًا كبيرًا من الصواريخ المجنحة والباليستية بعيدة المدى، مثل “كينجال” وغيرها، القادرة على الوصول إلى برلين ووارسو وباريس خلال وقت قصير.
وفي المقابل، لا تمتلك أوروبا قدرة كافية على توجيه ضربات مماثلة داخل العمق الروسي، خاصة إذا غابت المساندة الأمــ.ـــ.ـريكية. هذا الخلل في ميزان الردع يثير قلقًا متزايدًا داخل حلف الناتو، لأن موسكو قد ترى فيه فرصة للضغط أو التصعيد مستقبلًا.
كما أن اعتماد أوروبا على صواريخ تُطلق من الطائرات يجعل الأمر أكثر تعقيدًا، لأن أي مواجهة مع روسيا ستحتاج أولًا إلى تحقيق تفوق جوي، وهو أمر صعب للغاية دون مشاركة الولايات المتحدة.

مشروع أوروبي جديد.. لكن النتائج بعيدة
في محاولة لسد هذه الفجوة، أطلقت ألمانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا مشروعًا مشتركًا عام 2024 لتطوير صواريخ أوروبية بعيدة المدى، قبل أن تنضم لاحقًا بريطانيا والسويد.
المشروع، المعروف باسم “إلسا”، يهدف إلى تطوير عدة أنواع من الصواريخ يصل مدى بعضها إلى أكثر من ألفي كيلومتر. لكن المشكلة أن معظم هذه البرامج ما زالت في مراحلها الأولى، ولن تدخل الخدمة قبل ثلاثينيات هذا القرن.
ويرى خبراء أن أوروبا تعاني ليس فقط من فجوة تكنولوجية، بل أيضًا من ضعف في القدرات الصناعية والإنتاجية مقارنة بحجم التحديات الأمنية الحالية.
أوكرانيا تتحول إلى “مختبر” عسكري لأوروبا
واحدة من أكثر النقاط اللافتة في التقرير هي اهتمام أوروبا بالخبرة الأوكرانية المتراكمة في مجال الضربات بعيدة المدى. فكييف نجحت خلال الحرب في تطوير صواريخ وطائرات مسيّرة قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي الروسية.
بعض هذه الأنظمة، مثل صاروخ “فلامنجو”، يُقال إن مداه يتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر، وقد استُخدم بالفعل لضرب أهداف صناعية وعسكرية بعيدة جدًا داخل روسيا.
ألمانيا ودول أوروبية أخرى بدأت تنظر إلى أوكرانيا بوصفها شريكًا مهمًا في تطوير التكنولوجيا العسكرية الحديثة، خاصة أن الحرب دفعت كييف إلى ابتكار حلول سريعة وفعالة بعيدًا عن البيروقراطية الغربية التقليدية.

هل تدخل أوروبا عصر “الاستقلال العسكري”؟
التقرير يخلص إلى أن القارة الأوروبية قد تكون أمام تحول تاريخي في عقيدتها الدفاعية. فالتشكيك المتزايد في التزام واشنطن الكامل بحماية أوروبا يدفع العواصم الأوروبية نحو بناء قدرات مستقلة لأول مرة منذ عقود.
لكن تحقيق ذلك لن يكون سهلًا؛ فالأمر يحتاج إلى استثمارات هائلة وتنسيق سياسي وعسكري معقد بين دول تختلف في رؤيتها للأمن والدفاع والصناعة العسكرية.
وفي الوقت نفسه، يرى محللون أن أوروبا قد تضطر خلال السنوات المقبلة إلى شراء أي أنظمة متاحة بسرعة، حتى لو لم تكن مثالية، بسبب الشعور المتزايد بأن الوقت لم يعد في صالحها مع استمرار التوتر مع روسيا وتراجع اليقين بشأن الموقف الأمــ.ـــ.ـريكي.



