من هو رجل الأرقام الذي وصل فجأة إلى قمة السلطة في العراق؟

وفقًا لتقرير نشره موقع “ذا كرادل”، يعيش العراق واحدة من أكثر اللحظات السياسية غموضًا منذ سنوات بعد الصعود المفاجئ لعلي فالح الزيدي إلى واجهة المشهد السياسي وترشيحه لرئاسة الحكومة العراقية، رغم أن اسمه كان شبه مجهول بالنسبة لغالبية العراقيين قبل أسابيع قليلة فقط. الزيدي، القادم من عالم المصارف والاستثمار والاقتصاد، لم يكن شخصية سياسية تقليدية ولم يمتلك قاعدة حزبية أو شعبية معروفة، لكنه ظهر فجأة باعتباره “مرشح التسوية” القادر على العبور بين الألغام العراقية والإقليمية والدولية. التقرير يكشف أن وصول الزيدي لم يكن مجرد قرار داخلي، بل نتيجة توازنات معقدة جمعت بين ضغوط واشنطن وحسابات طهران وأزمة الانسداد السياسي داخل بغداد، في لحظة حساسة تعيش فيها المنطقة تحولات ضخمة بفعل الحرب في إيــران والتغيرات في موازين القوى الإقليمية. وبينما يرى البعض في الزيدي فرصة لولادة حكومة تكنوقراط اقتصادية، يخشى آخرون أن يتحول إلى مجرد “حل مؤقت” داخل نظام سياسي يلتهم أي محاولة للتغيير الحقيقي.
من الظل المالي إلى رئاسة الحكومة
علي الزيدي لم يكن اسمًا متداولًا في الساحة السياسية العراقية. الرجل جاء من عالم المال والمصارف والاستثمارات، حيث بنى شبكة علاقات واسعة داخل العراق وخارجه بعيدًا عن الأضواء السياسية التقليدية.
لكن ما منحه أفضلية غير متوقعة هو صورته كشخصية “محايدة ظاهريًا”، لا تنتمي بوضوح إلى أي معسكر سياسي صدامي داخل العراق، وفي الوقت نفسه يمتلك علاقات معقدة مع مختلف الأطراف.
التقرير يشير إلى أن الزيدي نسج أيضًا علاقات مع دوائر مالية وتنظيمية غربية، خاصة عبر تعاونه مع شخصيات مصرفية أمــ.ـــ.ـريكية عملت سابقًا داخل وزارة الخزانة والسفارة الأمــ.ـــ.ـريكية في بغداد.
هذه الخلفية جعلته يبدو بالنسبة للبعض “رجل المرحلة” القادر على التفاهم مع الجميع دون أن يمثل تهديدًا مباشرًا لأي طرف.
بغداد بين واشنطن وطهران
صعود الزيدي جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فقبل أيام فقط من طرح اسمه، زار قائد “فيلق القدس” الإيراني إسماعيل قاآني بغداد، بالتزامن مع تحركات واتصالات أمــ.ـــ.ـريكية غير معلنة بشأن الملف العراقي.
التقرير يصف ما حدث بأنه “اختبار سيادة” جديد للعراق، حيث تقاطعت الإرادات الإقليمية والدولية مجددًا في اختيار رئيس الحكومة.
واشنطن لم تُرسل مسؤولًا مباشرًا إلى بغداد، لكنها مارست ضغوطًا واتصالات عبر سفارتها، بينما كانت طهران تحاول الحفاظ على نفوذها التقليدي داخل المشهد السياسي العراقي رغم انشغالها بالحرب الإقليمية.
في النهاية، بدا أن الطرفين توصلا إلى قناعة ضمنية بأن اختيار شخصية “توافقية” أقل صدامية قد يكون الخيار الأنسب لتجنب انفجار سياسي جديد في العراق.
كيف سقطت أسماء المالكي والسوداني؟
قبل ظهور الزيدي، كانت الساحة العراقية تعيش صراعًا معقدًا داخل “الإطار التنسيقي” بشأن اسم رئيس الحكومة المقبل.
نوري المالكي كان مطروحًا بقوة للعودة إلى المنصب، لكن ترشيحه اصطدم بموقف أمــ.ـــ.ـريكي حاد بعد تهديدات مباشرة من الرئيس دونالد ترامب حول مستقبل العلاقات مع بغداد إذا عاد المالكي للحكم.
أما خيار محمد شياع السوداني فبدأ يضعف بسبب تداعيات الحرب الإقليمية والهجمات على المصالح الغربية داخل العراق خلال فترة حكومته الانتقالية.
ومع تصاعد الانقسامات داخل القوى الشيعية، بدأ البحث عن “اسم ثالث” لا يثير استفزاز واشنطن ولا يُعتبر تحديًا مباشرًا لطهران، وهنا ظهر علي الزيدي فجأة باعتباره “الحل الوسط”.
“رجل الأرقام” يحصل على ضوء أخضر دولي
واحدة من أكثر النقاط اللافتة أن الزيدي حصل سريعًا على دعم دولي وإقليمي نادر في المشهد العراقي.
السفارة الأمــ.ـــ.ـريكية رحبت باختياره دون مهاجمة النفوذ الإيراني كما جرت العادة، بينما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي دعم طهران لقرار العراقيين.
كما انهالت رسائل التهنئة والدعم من دول عربية وخليجية وأوروبية، ما أعطى انطباعًا بأن هناك توافقًا إقليميًا مؤقتًا على منح الرجل فرصة.
ويرى مراقبون أن هذا الدعم لا يعني وجود “اتفاق دائم”، بل يعكس فقط رغبة مشتركة في تهدئة الساحة العراقية خلال مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
حكومة تكنوقراط أم إعادة تدوير للنظام؟
بحسب التقرير، يطرح الزيدي فكرة تشكيل حكومة تعتمد على شخصيات تكنوقراطية وشابة ذات خلفيات اقتصادية وتنموية، مع تقليل التدخلات الحزبية التقليدية.
لكن هذا الطرح يواجه شكوكًا كبيرة، لأن النظام السياسي العراقي قائم أساسًا على المحاصصة وتقاسم النفوذ بين الأحزاب والفصائل المسلحة.
كما أن بعض القوى السياسية تطالب بإضافة مناصب حكومية إضافية لإرضاء الكتل المختلفة وتمرير الحكومة داخل البرلمان، ما يهدد بتحويل “حكومة التكنوقراط” إلى نسخة معدلة من الحكومات السابقة.
تضارب المصالح يلاحق الزيدي
أحد أخطر الملفات التي تواجه الزيدي يتعلق بثروته وعلاقاته الاقتصادية. فالرجل يمتلك استثمارات ومشاريع مرتبطة بالدولة العراقية، إضافة إلى مستحقات مالية ضخمة على الحكومة تُقدّر بتريليونات الدنانير.
هذا الوضع يفتح الباب أمام اتهامات محتملة بتضارب المصالح، لأن رئيس الحكومة الجديد قد يصبح في الوقت نفسه “دائنًا للدولة” ومسؤولًا عن إدارة المال العام.
الزيدي حاول الرد على هذه المخاوف بالتأكيد أن أولويته ستكون إصلاح الاقتصاد العراقي ومعالجة الأزمات المالية التي تفاقمت بسبب تراجع عائدات النفط واضطرابات المنطقة وإغلاق مضيق هرمز.
هل يستطيع الزيدي النجاة داخل النظام العراقي؟
التقرير يختتم بتحذير واضح: مهمة الزيدي قد تكون أخطر بكثير مما تبدو عليه.
فالرجل لا يمتلك قاعدة سياسية أو فصائل مسلحة تحميه، بينما يعتمد بالكامل تقريبًا على “التوافق المؤقت” بين القوى الداخلية والخارجية.
وفي العراق، غالبًا ما تكون التوافقات المؤقتة هشة وقابلة للانهيار عند أول أزمة أمنية أو اقتصادية أو إقليمية.
كما أن السؤال الأكبر يبقى حول قدرته على التعامل مع الفصائل المسلحة والنفوذ الخارجي دون أن يتحول إلى مجرد واجهة جديدة لنظام قديم قائم على التوازنات والصراعات المستمرة.
ولهذا يرى كثيرون أن مستقبل الزيدي لن يتحدد يوم التصويت على حكومته، بل في اللحظة التي سيواجه فيها أول اختبار حقيقي بين واشنطن وطهران والفصائل العراقية والشارع الغاضب.



