فايننشال تايمز:توتر يشتعل بين طوكيو وبكين… وترامب يقلب “لوح الشطرنج” العالمي
تشهد العلاقات بين اليابان والصين منعطفًا حادًا بعد تصريحات شديدة اللهجة من رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي بشأن تايوان، أعقبها رد صيني غاضب حمل تهديدات مباشرة.
هذا التصعيد يأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث يغيّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قواعد التفاعل السياسي والاقتصادي ويعيد رسم حسابات القوى في آسيا.
قبل أيام قليلة فقط، تعهّد شي جينبينغ وتاكايشي — خلال قمة إقليمية — بفتح صفحة جديدة من التواصل والتعاون. لكن سلسلة من التحركات والتصريحات دفعت المزاج إلى العكس تمامًا، وسط قلق دبلوماسي متزايد بشأن مستقبل العلاقة بين أكبر اقتصادين في شرق آسيا.
دبلوماسي ياباني رفيع خدم تحت ثلاثة رؤساء وزراء سابقين قال إن العلاقات اليابانية-الصينية “هي إحدى أدق العلاقات الثنائية في العالم”، مؤكدًا أن “أي تغيير في القيادة أو البيئة الدولية قادر على زعزعة التوازن الهش”.
تاكايشي… صعود قيادية “صقورية” يعيد ذكريات عهد شينزو آبي
منذ فوز تاكايشي برئاسة الحزب الليبرالي الديمقراطي الشهر الماضي، تتابع بكين تحركاتها بقلق واضح.
السياسية المحافظة تُعد وريثة سياسية للراحل شينزو آبي، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الصين، كما أنها صريحة في توصيف التهديدات الأمنية في المنطقة.
التوتر انفجر عقب لقاء جمعها بممثل تايوان في اجتماع “آبيك”، ونشرها صورة للقاء. الصين اعتبرت الخطوة استفزازًا مباشرًا، باعتبارها أي تواصل رسمي مع تايبيه تدخلًا في “شؤونها الداخلية”.
الخلاف ازداد حدّة عندما صرّحت تاكايشي في البرلمان بأن أي هجوم صيني على تايوان قد يُصنَّف “تهديدًا وجوديًا لليابان”، ما قد يتيح تفعيل حق الرد العسكري. هذه المرة الأولى التي يلمح فيها رئيس وزراء ياباني إلى إمكانية تدخل عسكري دون تعرّض بلاده لهجوم مباشر.
رد الصين لم يتأخر. المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية أكد أن “إعادة توحيد الصين أمر حتمي”، محذرًا من سحق أي محاولة لعرقلة ذلك. ثم جاء تعليق القنصل الصيني في أوساكا على منصة X أكثر حدّة عندما كتب:
“إذا امتدّت رقبة قذرة لتتدخل، سنقطعها دون تردد”.
تاكايشي رفضت الاعتذار أو التراجع، رغم أنها أوضحت لاحقًا أنها لن تعيد صياغة التصريحات بالطريقة ذاتها. غير أن مسؤولين قريبين من حكومتها يؤكدون أن تصريحاتها تعبّر عن رؤية مستشرية داخل وزارات الدفاع والأمن الاقتصادي في طوكيو.
ترامب يدخل المشهد… فيغيّر حسابات طوكيو وبكين
زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لليابان الشهر الماضي كانت لحظة احتفالية لطوكيو، حيث تحدث عن “عصر ذهبي جديد” للعلاقات الثنائية. لكن في الوقت نفسه، كانت بكين تعيش نشوة اتفاق تجاري جديد مع واشنطن، ما جعل كلا الطرفين يشعر بثقة إضافية في مواقفه.
تقول مارغريتا إستيفيز-آبي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة سيراكيوز، إن “لوح الشطرنج الدولي تغير بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة”.
وترى أن تزايد الطمأنينة في الجانبين — اليابان والبر الصيني — جعل كليهما يميل إلى الخطاب الحاد.
المعلّق القومي الصيني هو شيجين وصف تاكايشي بأنها “متهوّرة”، معتبرًا أن هدفها “خلق ذرائع لرفع الإنفاق العسكري الياباني” والالتفاف على دستور البلاد السلمي.
اقتصاد معقّد… واعتماد ثقيل على الصين
ورغم لهجة تاكايشي الصقورية، يوضح محللون أن خلفيتها كوزيرة سابقة للأمن الاقتصادي تجعلها أكثر وعيًا بمدى اعتماد اليابان العميق على السوق الصينية في سلاسل الإمداد والإنتاج.
الدبلوماسي السابق هوتاكا ماتشيدا، من معهد الجيو-اقتصاديات، يقول إن “الاقتصاد الياباني يواجه معضلة دائمة: الصين هي الشريك الأكبر اقتصاديًا والتهديد الأكبر أمنيًا”.
ويضيف أن “الولايات المتحدة تبقى الخيار الوحيد” لليابان في ضمان الأمن الدفاعي، مهما تغيّر مزاج ساكن البيت الأبيض.
إلا أن ترامب — بميله إلى سياسات خارجية قائمة على الصفقات قصيرة المدى — أثار مخاوف لدى النخبة اليابانية.
روبرت دوجاريك، مدير معهد الدراسات الآسيوية المعاصرة في طوكيو، يقول إن هناك “خوفًا جديدًا” داخل المؤسسات اليابانية من أن يقوّض ترامب التحالف الأمني إذا اعتقد أنه لا يحقق له مكاسب سياسية داخلية.
صقور طوكيو وحسابات بكين… قواعد اللعبة لم تعد ثابتة
يتفق المراقبون على أن العلاقة اليابانية-الصينية في مرحلة حساسة تُشكّلها ثلاثة عوامل:
– قيادة يابانية صريحة ومستعدة لزيادة الردع.
– قيادة صينية أكثر ثقة بقدراتها العسكرية.
– رئيس أمريكي يعيد تشكيل السياسة الخارجية بطريقة غير متوقعة.
يقول دوجاريك إن “تاكايشي وشي لديهما نفس السياسات تقريبًا كما كان أسلافهما، لكن أوراق اللعبة التي بين أيديهما تغيرت بالكامل بسبب واشنطن”.
ومع كل هذه المتغيرات، يبدو أن شرق آسيا يدخل مرحلة جديدة من التوتر الاستراتيجي… مرحلة تصبح فيها مجرد صورة أو تصريح قادرًا على إشعال أزمة دبلوماسية بين أكبر القوى الإقليمية



