هلاً بكم في “أمريكا، كل شيء مباح”: مخاطر تخفيف القواعد والتغاضي عن الفساد

أ
عندما ترك هاري ترومان منصبه، أتيحت له فرص عديدة للاستفادة من رئاسته. إلا أنه رفضها، مؤمناً بأنه لا ينبغي لأي صفقة أن تُسوّق كرامة المنصب. عاش على دخل متواضع من مذكراته ومعاش تقاعدي عسكري صغير. أما في القرن الحادي والعشرين، فتبدو مبادئ ترومان غريبة في مناخ سياسي يقبل فيه الرئيس هدايا سخية من حكومات أجنبية، وتعقد عائلته صفقات مربحة مع شركات العملات الرقمية، ويثري المانحون أنفسهم من خلال علاقاتهم بالبيت الأبيض.
هذا هو عصر “كل شيء مباح” في أمريكا. ورغم أن هذا العصر لم يبدأ مع دونالد ترامب، إلا أنه صعّده بالتأكيد. فقد أُلغيت القواعد التي كانت تكبح جماح هذه التجاوزات، ويبدو أن الثروة والنفوذ أصبحا الآن للبيع. في ظل هذا المعيار الجديد، يتجنب الأثرياء التدقيق، بينما تم تفكيك وحدة النزاهة العامة التابعة لوزارة العدل. لم يعد الفساد يحمل نفس العواقب، حيث يُمنح العفو للمانحين البارزين وأفراد العائلات الذين يقدمون مساهمات كبيرة للحركة السياسية للرئيس.
في هذه البيئة، لم يعد التأثير على الكونغرس من مهام جماعات الضغط؛ بل أصبحوا يركزون على كسب ود الرئيس نفسه. وبصفتها رئيسة حكومة تتغير قراراتها باستمرار، تجد العديد من الشركات الآن ضرورةً لكسب ود الرئيس، غالبًا على حساب سيادة القانون. هل مُنحت عمليات الاندماج أو تراخيص التصدير للمصلحة العامة، أم أن الشركات اشترت حسن نية الرئيس؟ في هذا العصر الجديد، لا أحد يعلم على وجه اليقين.
بينما يجادل البعض بأن تقليل تطبيق بعض القواعد قد يُسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، إلا أن التكاليف طويلة الأجل لا يمكن إنكارها. تُعدّ القوانين القوية والنزيهة وتوقعات تطبيقها حجر الزاوية للاقتصادات المزدهرة والمستقرة. إذا أصبح السؤال الأهم لقائد الأعمال: “هل تعرف الرئيس؟”، فإن صحة الاقتصاد نفسه تصبح ضحية.
تجد تجربة أمريكا في ظل هذا العصر الذي يُطبق فيه مبدأ “كل شيء مباح” نظيرًا أكثر قتامة في الأسواق الناشئة، حيث يمنح الحكام الاستبداديون الامتيازات وفقًا لتقديرهم. لكن الفرق يكمن في أن المشهد السياسي اليوم لا يُحدده السرقة الصارخة، بل شكلٌ أكثر دهاءً من التلاعب والتأثير. لقد أصبحت سلطة الرئيس واسعة النطاق لدرجة أنها لم تعد تتعلق بشراء ولاء حزبه – فسيطرته شبه مطلقة. ومع ذلك، لا تزال التكاليف السياسية لتصرفاته الشخصية منخفضة، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن التحزب قد حجب الحكم الموضوعي. فإذا انتقد الديمقراطيون أفعاله، يفترض مؤيدوه تلقائيًا أن كل شيء فوق الشبهات، والعكس صحيح.
هذا السلوك ليس جديدًا. إنه يُذكرنا بفترات سابقة من التاريخ الأمريكي، مثل العصر الذهبي أو عشرينيات القرن الماضي، حيث اقترن الفساد والإسراف بالنمو التكنولوجي والاقتصادي. لكن الفساد الآن لا يعني بالضرورة السرقة من خزائن الحكومة. الشكل الجديد أكثر خبثًا، حيث تُعدّ الرئاسة نفسها بمثابة العملة الرئيسية للتأثير. في ظل هذا الجو، يبدو أن الرئيس لا يواجه عواقب سياسية تُذكر لأفعاله، إذ يستخدم كلا الجانبين التحزب لتبرير سلوك كان يُعتبر في السابق غير مقبول. ومع ذلك، يُعلّمنا التاريخ أن كل حقبة من التجاوزات تُفضي في النهاية إلى دفعٍ نحو الإصلاح – سواءً كان ذلك قانون ممارسات الفساد الفيدرالي بعد العصر الذهبي أو قانون الأخلاقيات في الحكومة بعد فضيحة ووترغيت. ويبقى السؤال: متى سينتهي هذا العصر، وما هي الإصلاحات التي ستليه؟ ١٥ هاشتاجًا



