بين إنصاف الراحلين وتجاهل الأحياء.. لماذا ننتظر الموت لنمنح التقدير؟


في مشهدٍ يتكرر بمرارة، يتحول الراحل فجأة إلى محور تقدير واسع؛ فتنهال عليه عبارات الثناء التي لم يسمعها يوماً وهو على قيد الحياة. في المقابل، يُترك الأحياء في دوائر التجاهل، وكأن قيمة الإنسان “استحقاق” مؤجل لا يُنال إلا بعد الرحيل.
الموت.. صك براءة من “عبء” النقد
يخرج الإنسان بموته من دائرة الصراع والخصومة؛ فلا رأي يُعارض، ولا منافسة تثير القلق. يتحول الراحل في الوعي الجمعي إلى “نموذج مثالي آمن”؛ صورة ثابتة بلا اعتراض، وبلا تكلفة اجتماعية أو سياسية لمن يمتدحه.
تقدير بلا ثمن.. مديح بلا التزام
غالباً ما يكون تقدير الراحلين نوعاً من “الإنصاف السهل”. فالإشادة بشخص غائب:
- لا تتطلب موقفاً: فأنت تمدح شخصاً لم يعد موجوداً ليطلب منك دعماً.
- بلا تبعات: هو اعتراف لا يغير شيئاً في الواقع، ولا يحملك مسؤولية تجاه مشاريع هذا الإنسان أو طموحاته.
الفجوة القاتلة بين العطاء والاعتراف
نحن أمام نمط اجتماعي متكرر يتسم بـ “العمى المؤقت” تجاه المبدعين؛ حيث يُهمّش الإبداع في لحظة حضوره، ثم يُكتشف فجأة بعد الغياب. هكذا تتسع الفجوة بين “زمن الإنتاج” و**”زمن التقدير”**، ليصبح الثناء مجرد رد فعل متأخر على قطار قد غادر المحطة بالفعل.
اقتصاد المظهر.. ضجيج الوداع وصمت الحياة
في لحظات الفقد، يتضخم المشهد: جنازات مهيبة، سرادقات عامرة، وضجيج صاخب على منصات التواصل. المفارقة المؤلمة أن “طقوس الوداع” تصبح أحياناً أكثر فخامة من “دعم الحياة” نفسها، وكأننا لا نجيد اكتشاف الجواهر إلا حين نفقدها.
الخلاصة: الإنصاف في أوانه
احترام الموتى قيمة إنسانية لا غنى عنها، لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يرتبط التقدير بالغياب فقط. المجتمع المتوازن لا يُقاس بما يُكتب على شواهد القبور، بل بما يُمنح للأحياء من إنصاف في وقتهم.
الاعتراف الحقيقي لا يسكن في رثاء الغائبين.. بل في تقدير يصل في لحظته، قبل أن يتحول إلى ندم متأخر لا يسمعه الراحلون.



