بين نيران الحرب وحدود الممكن .. من يرسم خريطة الشرق الأوسط الجديد ؟
ليست كل الحروب تلك التي تُحسم في الميدان ، فبعضها يُدار في العقول قبل أن يُحسم بالسلاح ، وبعضها الآخر يُرسم مستقبله على طاولات التفاوض بينما لا تزال نيرانه مشتعلة . والحرب الدائرة حول إيران تنتمى إلى هذا النوع المعقد حيث تختلط حسابات القوة بالسياسة ، وتتداخل خطوط النار مع خرائط المصالح .
من هنا يصبح السؤال عن المستقبل ليس ترفاً فكرياً ، بل ضرورة لفهم ما يجرى ، وما يمكن أن ينتهى إليه هذا الصراع .
داخل إيران لا يبدو المشهد بسيطاً كما قد يُتصور من الخارج ، فالنظام هناك تحكمه توازنات دقيقة بين ثلاث قوى رئيسية : الحرس الثورى والمؤسسة العسكرية النظامية عبر “ مقر خاتم الأنبياء ” والتيار البراجماتى .
الحرس الثورى ، الذي تلقى ضربات مؤثرة لا يزال يمسك بمفاصل القوة الحقيقية ، مستنداً إلى شبكة نفوذ داخلية وأدوات أمنية مثل قوات “ الباسيج ” ، بما يمنحه قدرة على ضبط الداخل حتى في أصعب الظروف . لكن في المقابل ، يبرز الجيش النظامى كقوة أكثر تماسكاً ، لم تتعرض بنيته للتآكل بنفس الدرجة ، ما يعزز فرص صعود دوره في مرحلة ما بعد الحرب ، خاصة إذا دخلت الدولة في تحديات إعادة الإعمار وإدارة الخدمات .
أما التيار البراجماتى ، الذي يميل إلى التفاوض فيبقى الأضعف تأثيراً رغم أنه قد يكون الأكثر قبولاً دولياً فى حال الوصول إلى تسوية .
وفي هذا الإطار ، لا يبدو سقوط النظام الإيرانى نتيجة مباشرة للحرب احتمالاً مرجحاً فالتجارب تشير إلى أن مثل هذه الأنظمة تتماسك تحت الضغط الخارجى حتى لو اضطرت إلى تقديم تنازلات تكتيكية كإعادة ضبط برنامجها النووى أو القبول برقابة دولية مؤقتة ، أما أدوات النفوذ الإقليمى فقد تكون هى الثمن الأرجح لأي تسوية قادمة .
على الجانب الآخر تبدو الولايات المتحدة وإسرائيل وقد التقت مصالحهما مرحلياً عند هدف إضعاف إيران ، وإن اختلفت حساباتهما في التفاصيل .
واشنطن التى أنهكتها الحروب الممتدة ، لا تبدو راغبة فى الانخراط في مواجهة مفتوحة جديدة ، خاصة مع الضغوط الاقتصادية الداخلية وتداعيات أي اضطراب في أسواق الطاقة ، فهى تميل إلى إدارة الصراع لا تفجيره ، وإلى استخدام الضغط الاقتصادى والعسكرى المحدود بدلاً من الحرب الشاملة .
أما إسرائيل ، فرغم سعيها لتقويض القدرات الإيرانية ، تدرك أن المواجهة المباشرة تحمل كلفة مرتفعة ، ما يجعلها تميل إلى العودة إلى “ حرب الظل ” ، حيث الضربات المحدودة والعمليات غير المعلنة .
وفى الخلفية ، تتحرك قوى كبرى ترسم حساباتها بهدوء ، الصين تنظر إلى إيران باعتبارها عقدة أساسية في تأمين احتياجاتها من الطاقة ، وركيزة في مشروعها لربط آسيا بأوروبا لذلك فإنها تميل إلى دعم بقاء الدولة الإيرانية ، ليس حباً فى النظام بل حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية .
أما روسيا ، فتعاملها مع الأزمة يبدو أكثر براغماتية إذ تدعم طهران بما يكفى لاستنزاف واشنطن ، لكنها لا تغلق الباب أمام صفقات محتملة إذا اقتضت مصالحها ذلك .
وفى الخليج كشفت الحرب عن حقيقة صعبة ؛ أن المظلة الأمنية التقليدية لم تعد كما كانت ، هذا الإدراك يدفع دول المنطقة إلى البحث عن بدائل سواء عبر تنويع مصادر السلاح أو بناء ترتيبات أمنية جديدة أو حتى إعادة تعريف تحالفاتها .
لكن الصورة الأوسع تتجاوز الحرب ذاتها ، لتصل إلى صراع المشاريع ، فهناك مشروع يسعى لربط الخليج بأوروبا عبر مسارات برية تمر شمالاً مستفيداً من الجغرافيا التركية . وفى المقابل يظهر مشروع آخر يحاول إعادة رسم خطوط النقل والطاقة عبر مسارات مختلفة تربط الخليج بالبحر المتوسط بطرق جديدة .
وبين هذين المسارين ، تبرز أهمية الدور المصرى ، حيث تظل قناة السويس والبنية اللوجستية المرتبطة بها عنصراً حاسماً فى أى معادلة إقليمية ، فالجغرافيا فى النهاية تفرض كلمتها مهما تعددت المشاريع .
الخلاصة أن هذه الحرب – رغم قسوتها – لن تنتهى بإنتصار حاسم لطرف واحد ، بل بتوازنات جديدة تُفرض على الجميع .
ستبقى إيران لكن بشكل مختلف وستتراجع أدوار وتصعد أخرى .
أما الشرق الأوسط فسيخرج من هذه المواجهة بملامح جديدة ، ربما أكثر تعقيداً لكنها بالتأكيد أكثر وضوحاً فى تحديد من يملك القوة ومن يجيد استخدامها .



