هدنة لا تُطمئن في الجنوب اللبنانى
في زمنٍ تختلط فيه الحقائق بالأوهام وتضيع فيه الحدود بين الحرب والسلام ، تقف مدينة النبطية في جنوب لبنان نموذجاً صارخاً لما يمكن أن تفعله الصراعات بالإنسان والمكان .
هناك لا تُقاس الأمور بعدد الغارات أو حجم الدمار فقط ، بل بحجم القلق الذي يسكن النفوس ، فالهدنة التي أُعلنت ، لا يراها السكان نهايةً للحرب ، بل مجرد توقف مؤقت لها قد ينقلب في أي لحظة إلى عودة أشد ضراوة .
المشهد في النبطية لا يحتاج إلى مبالغة ؛ بيوت مهدمة و شوارع خالية ومرافق أصابها شللاً كلياً . ومع ذلك عاد بعض السكان إلى مدينتهم ليروا ما تبقى وليقرروا على أساسه ؛ هل يمكن البقاء ؟ أم أن الرحيل أصبح قدراً لا مفر منه !
عائلات بأكملها تقف أمام منازلها التى اضحت بقايا جدران محترقة ، لا يبحث افراد تلك العائلات عن أثاث أو مقتنيات ، لأنهم يعلمون أن القصف لم يترك شيئاً ، كل ما يملكونه الآن من مقومات الحياة موضوع في سياراتهم – إن نجت – جاهزون للرحيل فى أى وقت .
هناك فى النبطية نجد أرقاماً تعكس حجم المأساة : آلاف القتلى ، ومئات الآلاف من النازحين ، ومناطق فقدت مقومات الحياة الأساسية ، لكن الأرقام – مهما بلغت – لا تستطيع أن تنقل حقيقة الشعور الذي يعيشه الناس ، هناك شعور دائم بعدم اليقين .
رئيس البلدية تحدث عن عودة جزئية للسكان ، لكنها عودة مشروطة بالحذر ، كثيرون يعودون لتفقد منازلهم ، ثم يغادرون سريعاً وكأن المدينة أصبحت محطة مؤقتة لا مكاناً للإقامة .
وفي ظل هذا الواقع الأليم ، تستعد السلطات المحلية للأسوأ فتخزن الوقود والإمدادات تحسبًا لاحتمال عودة القتال من جديد وهو استعداد يعكس إدراكاً واضحاً بأن الهدنة في صورتها الحالية لا تكفي لضمان الاستقرار .

ما يحدث في النبطية يتجاوز حدود مدينة بعينها . إنه يعكس نمطًا متكررًا في الجنوب اللبنانى بأكمله بل فى المنطقة بأكملها ، حيث تتحول الحروب إلى حالة مستمرة تُدار فيها الأزمات دون أن تُحسم ، وتُؤجل فيها الحلول دون أن تُنفذ ،
وفي مثل هذا المناخ ، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف فلا هو يملك قرار الحرب ، ولا يملك ضمان السلام ، كل ما يملكه هو القدرة على التكيف مع واقع يتغير دون إرادته .
إن الهدنة إذا لم تُستكمل بحلول سياسية حقيقية تتحول إلى مجرد استراحة بين صراعين ، وهذا ما يخشاه اليوم أهل النبطية خاصة و أهل الجنوب المنكوب عامة ، فهم لا يبحثون عن هدنة جديدة بل عن نهاية واضحة لحالة الصراع .
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك جاد من كل الأطراف يتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى منطق حلها ، تحرك يضع في اعتباره أن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط مزيداً من الدمار ، بل يعني ايضاً ترسيخ حالة من عدم الإستقرار يصعب الخروج منها .
وبين هدنة لا تُطمئن ، وحرب لم تنتهِ ولن تنتهِ – على ما يبدو – يبقى المواطن الجنوبى مُعلّقاً ينتظر ما تقرره الأيام ، وهذا فى حد ذاته هو أقسى ما يمكن ان تفرضه الحروب على البشر .



