بريطانيا توسّع إنتاج الذخائر لتعزيز الجاهزية ودعم أوكرانيا

تسعى بريطانيا إلى إعادة بناء قاعدتها الصناعية الدفاعية على نحو شامل، في خطوة استراتيجية تعكس التحول نحو “الجاهزية القتالية” لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في أوروبا والعالم. وأعلنت الحكومة عن المرحلة الجديدة من خطتها لإنشاء شبكة وطنية من مصانع الذخائر والمواد المتفجرة بعد تحديد 13 موقعًا محتملًا، مع بدء البناء في أول مصنع عام 2026. ويأتي هذا التوسع بعد ما يقرب من عقدين من التراجع في إنتاج المواد الدفاعية، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب وتعزيز القدرة المحلية على الإنتاج السريع. كما يرى صانعو القرار أن دعم أوكرانيا في الحرب المستمرة يتطلب وجود بنية تصنيع قوية ومرنة، قادرة على تلبية الطلب المتزايد على الذخائر والطائرات المسيّرة، مع استثمارات ضخمة لتعزيز الاستقلالية الصناعية، وضمان مخزون مستدام على مدار العام يمكن الاعتماد عليه في أي أزمة مستقبلية.
إعادة الإنتاج المحلي بعد 20 عامًا من التراجع
أكدت وزارة الدفاع البريطانية أن البرنامج الجديد سيعيد إنتاج المواد المتفجرة والمواد الدافعة والمؤثرات النارية على نطاق واسع لأول مرة منذ ما يقرب من عقدين. ويهدف المشروع إلى سد فجوة استراتيجية أظهرتها الحرب في أوكرانيا، حيث ارتفع الطلب على الذخائر بشكل يفوق قدرة الإنتاج التقليدية. وتهدف الخطة أيضًا إلى توفير أكثر من ألف وظيفة جديدة في قطاع التصنيع الدفاعي، ما يعزز النشاط الاقتصادي المحلي ويعيد الدور الصناعي للمملكة المتحدة في الصناعات العسكرية الثقيلة. ويرى المسؤولون أن البرنامج سيضمن إنتاجًا مستمرًا ومخزونًا جاهزًا للاستخدام على مدار العام، كما سيتيح دمج تقنيات حديثة، بما في ذلك الأتمتة والذكاء الاصطناعي، في خطوط الإنتاج لضمان سرعة وفعالية التصنيع. ويؤكد الخبراء أن هذه القدرة الإنتاجية ضرورية لدعم الجيش البريطاني وتلبية احتياجات الحلفاء، بما في ذلك أوكرانيا، في بيئة أمنية دولية متغيرة.
“مصانع المستقبل” لتعزيز الجاهزية ودعم أوكرانيا
أوضح وزير الدفاع جون هيلي أن الحكومة ملتزمة ببناء “مصانع المستقبل” لتعزيز القدرات القتالية للجيش البريطاني في السنوات المقبلة، بما في ذلك افتتاح مصنعين جديدين للطائرات المسيّرة. وستعمل هذه المنشآت على تسريع إنتاج الذخائر والمعدات العسكرية الضرورية لدعم الجبهة الأوكرانية، مع ضمان الاستمرارية في تلبية احتياجات القوات البريطانية. وتأتي هذه الخطوة ضمن مراجعة دفاعية استراتيجية تهدف إلى دمج الابتكار الرقمي والتقنيات الذكية في الصناعات العسكرية، مع تطوير شبكة إنتاج وطنية تضمن القدرة على التصنيع السريع حتى في أوقات الأزمات. كما ستوفر المصانع فرص تدريب للكوادر الجديدة، بما يعزز خبرة القطاع الدفاعي المحلي ويزيد من استدامة الصناعة، ما يعكس التزام الحكومة بتطوير قاعدة صناعية متينة ومستقلة تضمن جاهزية المملكة المتحدة على المدى الطويل.
أبرز المواقع المحتملة للمصانع الجديدة
حددت الحكومة البريطانية مجموعة من المواقع المحتمل استضافتها للمصانع الجديدة، تشمل غرانجماوث في اسكتلندا، تيسايد في شمال شرق إنجلترا، وميلفورد هافن في ويلز، إلى جانب مواقع أخرى موزعة عبر المملكة المتحدة. وتم اختيار هذه المواقع بناءً على توافر البنية التحتية الصناعية والطاقة والقدرة على استيعاب منشآت واسعة النطاق، فضلاً عن قربها من الموانئ الاستراتيجية لتسهيل نقل المواد والمكونات الدفاعية. ويعزز هذا التوزيع الجغرافي قدرة المملكة على الإنتاج المستمر حتى في حال حدوث اضطرابات في موقع واحد، ويُحسن من توزيع الخبرات والموارد البشرية في الصناعات الدفاعية. ويُتوقع أن تسهم هذه المشاريع بشكل كبير في الاقتصاد المحلي، بما يشمل توفير وظائف جديدة، وتدريب الكوادر المتخصصة، ودعم الابتكار التكنولوجي في قطاع الدفاع، مع ضمان استمرارية الإنتاج لتلبية المتطلبات الوطنية والدولية بشكل مستدام.
استثمارات دفاعية غير مسبوقة وتوسّع الصناعات الذكية
تضمنت المراجعة الدفاعية الإستراتيجية تخصيص 1.5 مليار جنيه للذخائر والمواد المتفجرة، مع إطلاق “خط إنتاج ذخائر مستمر” وخطة لبناء ستة مصانع جديدة خلال الدورة البرلمانية الحالية. كما ستصدر وزارة الدفاع مذكرة مشتريات تحدد تسع مواد حيوية لتوجيه الإنتاج. وبالتوازي، تم الإعلان عن افتتاح مصنع Helsing للطائرات المسيّرة في بليموث وخط إنتاج STARK في سويندون باستثمارات تبلغ 250 مليون جنيه، ما يعكس التزام الحكومة بتوسيع قطاع الطائرات غير المأهولة كجزء من التحول نحو الصناعات الدفاعية الذكية. وتؤكد السلطات أن هذه الاستثمارات تعزز الاستقلالية الصناعية، وتتيح الاستجابة السريعة لمتطلبات الجيش، سواء داخليًا أو لدعم الحلفاء، مع ضمان دمج التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الإنتاج، بما يرفع من كفاءة التصنيع ويحقق الجاهزية القتالية على المدى الطويل.
دروس أوكرانيا… بناء قدرة إنتاجية مستدامة
ترى الحكومة البريطانية أن الحرب في أوكرانيا أثبتت الحاجة إلى قدرة تصنيع سريعة ومرنة، مع تعاون مستمر بين القوات الأمامية والصناعة، ومخزون إنتاجي مستدام على مدار العام. وتم تخصيص ميزانية سنوية “Invest” بقيمة 11 مليار جنيه لتغطية هذه الاحتياجات، ما يجعل بريطانيا واحدة من أكثر الدول الأوروبية استثمارًا في تحديث قدراتها الدفاعية. ويدعم قطاع الدفاع 460 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، ويوفر 24 ألف فرصة تدريبية، مع إنفاق 31.7 مليار جنيه مع شركات محلية العام الماضي، و70% من الوظائف الدفاعية خارج لندن وجنوب شرق إنجلترا. ويعكس البرنامج الجديد التزام الحكومة بتوزيع الفرص الاقتصادية، وتعزيز الصناعات الدفاعية الوطنية، وضمان القدرة على تلبية الطلب الداخلي والخارجي، بما في ذلك دعم الجيش البريطاني وأوكرانيا، مع الحفاظ على الجاهزية القتالية والقدرة الاستراتيجية.



