أوروبا تطالب بدور كامل في محادثات السلام وسط مخاوف من اتفاق أمريكي–روسي يتجاوز كييف

تتحرك أوروبا بحذر متزايد لضمان أن تكون طرفًا أساسيًا في أي محادثات سلام تتعلق بالحرب في أوكرانيا، بعد التقارير المتداولة حول خطة أمريكية–روسية تُناقش خلف الأبواب المغلقة دون إشراك كييف أو العواصم الأوروبية. وقد أثارت هذه التسريبات قلقًا واضحًا داخل الاتحاد الأوروبي، إذ يخشى المسؤولون أن تقود أي تسوية تُصاغ خارج الإطار الأوروبي إلى فرض تنازلات مؤلمة على أوكرانيا أو تقويض الأمن القاري. وترى بروكسل أن استبعادها من العملية التفاوضية يهدد قدرتها على حماية توازنات الردع في المنطقة، بينما تعتبر دول عدة أن مشاركة أوكرانيا في صياغة أي اتفاق أمر لا يمكن التراجع عنه. وفي ظل هذه الأجواء، تؤكد أوروبا أن السلام العادل يتطلب حضور جميع الأطراف المتضررة مباشرة من الحرب، وأن تجاهل مخاوف القارة قد يمهّد لواقع جديد يمنح موسكو مساحة أوسع للتأثير على الأمن الأوروبي على المدى الطويل.
تحذيرات أوروبية من ضغوط على كييف
تتخوف دول الاتحاد الأوروبي من أن تتضمن أي خطة سلام مطروحة تنازلات تُفرض على كييف تحت ضغط تسوية دولية لا تراعي مصالحها. وقد أشار عدد من الوزراء الأوروبيين إلى أن السلام لا يمكن أن يقوم على إجبار الدولة المعتدى عليها على التراجع، مشددين على ضرورة البدء بوقف إطلاق النار على خطوط التماس قبل الانتقال إلى الملفات المعقدة مثل الحدود وضمانات الأمن. ويرى الأوروبيون أن فرض تسوية تميل لصالح موسكو سيجعل الاتفاق هشًا وغير قابل للاستمرار، وسيمثّل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، إذ يُعاد رسم النفوذ بالقوة العسكرية لا بالتفاوض المتوازن. كما تؤكد العواصم الأوروبية أن أي مسار سياسي يتجاوز أوكرانيا أو يقلل من دورها سيُعد انتقاصًا من سيادتها وقد يفتح الباب أمام صراعات جديدة مستقبلًا.
الموقف البولندي: أمن القارة خط أحمر
تتخذ بولندا موقفًا أكثر تشددًا في التعامل مع أي مبادرة سلام تستبعد الأوروبيين أو تُضعف موقف كييف، معتبرة أن الصراع في أوكرانيا يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن الأوروبي برمته. ويؤكد وزير الخارجية البولندي أن من غير المقبول تقييد قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها أو إجبارها على تقديم تنازلات غير عادلة، بينما يبقى المعتدي محتفظًا بأدوات الضغط العسكري. وترى وارسو أن تجاهل المخاوف الأوروبية سيؤدي إلى اختلالات واسعة في ميزان القوى، وقد يمنح موسكو نفوذًا طويل الأمد في محيطها الإقليمي. ولذلك تصر بولندا على ضرورة أن تكون أوروبا جزءًا أساسيًا من أي عملية تفاوضية، وأن تُصاغ الحلول بما يحفظ الأمن القاري ويمنع تحوّل النزاع إلى نقطة انطلاق لصراعات أوسع قد تؤثر على استقرار المنطقة لسنوات مقبلة.

الأصول الروسية المجمدة بين القانون والسياسة
برز ملف الأصول الروسية المجمدة كإحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين بروكسل وموسكو، إذ تسعى أوروبا إلى استخدام عوائد هذه الأصول في تمويل احتياجات أوكرانيا، بينما تعتبر روسيا أن أي خطوة في هذا الاتجاه بمثابة مصادرة غير قانونية. وتواجه الخطة الأوروبية عقبات تشريعية معقدة في بلجيكا، حيث توجد الغالبية الأكبر من هذه الأصول تحت إشراف Euroclear، ما يجعل تمرير الآلية المقترحة أمرًا يحتاج توافقًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا. وتواصل موسكو تهديداتها بالرد القانوني على أي قرار أوروبي، بينما يرى المسؤولون الأوروبيون أن توجيه العوائد المالية نحو دعم كييف ضرورة استراتيجية لضمان قدرتها على الصمود اقتصاديًا في السنوات المقبلة. ويؤكد الاتحاد أن هذه الآلية، إذا نُفذت بحذر قانوني، ستشكل وسيلة فعالة لتقليل ضغط الحرب على أوروبا وأوكرانيا معًا.
مستقبل المسار السياسي بين التعقيد والضغوط
رغم تزايد المناقشات حول ضرورة تحريك مسار السلام، يرى دبلوماسيون أوروبيون أن أي اتفاق لا تشارك فيه أوروبا وأوكرانيا بفعالية لن يكون مستدامًا سياسيًا أو واقعيًا. وتعتقد العواصم الأوروبية أن الحرب تحولت إلى اختبار مباشر لقدرتها على حماية أمنها الجماعي ومنع توسع النفوذ الروسي، ما يجعل مشاركتها في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب ضرورة لا يمكن تجاوزها. ومع استمرار الضغوط الدولية للدفع نحو حل تفاوضي، يعمل الاتحاد الأوروبي على توحيد مواقفه لضمان عدم إنتاج اتفاق يتجاهل مصالحه أو يقلل من مكانة أوكرانيا على الساحة الدولية. وبين خطوط القتال المتغيرة والمفاوضات المعقدة، يبدو أن مستقبل الحرب لا يزال مفتوحًا على احتمالات عدة، وأن دور أوروبا في رسم ملامح السلام سيكون حاسمًا في تحديد مسار الأمن الإقليمي لسنوات طويلة.



