تراجع الثقة الأوروبية في انتصار أوكرانيا يعرقل تحرير الأصول الروسية المجمدة

تواجه أوروبا واحدة من أعقد لحظات الحرب المستمرة في أوكرانيا، إذ يتزامن تصاعد الهجمات الروسية مع حالة تراجع في الثقة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن قدرة كييف على قلب موازين المعركة. فبعد أن كان تحرير الأصول الروسية المجمدة يُنظر إليه كخطوة منطقية لدعم أوكرانيا ماليًا وعسكريًا، أصبح القرار اليوم محاطًا بشكوك سياسية وقانونية تعكس تحوّلًا أعمق في المزاج الأوروبي تجاه الحرب. وبينما تعلن العواصم الأوروبية التزامها العلني بدعم كييف، بدأت الحسابات الاستراتيجية تُظهر أن القارة العجوز لم تعد متيقنة من أن ضخ 140 مليار يورو إضافية سيغير مسار الحرب أو يضمن انتصارًا قريبًا. هذا التراجع لا يتعلق فقط بالمخاوف القانونية، بل يرتبط أيضًا بإجهاد مجتمعات أوروبا وتراجع اندفاعها الأولي، إذ باتت بعض الحكومات ترى أن المخاطرة باستخدام الأصول في الوقت الراهن قد تكون خطوة غير محسوبة إذا تقدمت روسيا أو ظلت خطوط القتال جامدة.
خلافات أوروبية متصاعدة
تعكس الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي عمق التحول الجاري في النظرة إلى الحرب، إذ تمتلك بلجيكا وحدها أكثر من 200 مليار يورو من الأصول الروسية لدى “يوروكلير”، ومع ذلك ترفض بروكسل المضي في خطوة تحرير الأموال دون ضمانات قانونية مشتركة لمواجهة أي دعاوى قد ترفعها روسيا مستقبلًا. وتخشى بعض الحكومات أن يؤدي هذا الإجراء إلى إضعاف سمعة أوروبا المالية عالميًا، خصوصًا مع مراقبة دول كالصين والهند لأي خطوة قد تشير إلى تسييس النظام المالي. ويتزامن ذلك مع مواقف لافتة لقادة مثل السلوفاكي روبرت فيكو والمجري فيكتور أوربان، اللذين صرّحا بأن أوكرانيا لا تستطيع الانتصار عسكريًا، وهو ما يعكس تيارًا متناميًا داخل الاتحاد يفضل حلولًا براغماتية بدلًا من استراتيجيات التصعيد. وحتى الدول الكبرى كألمانيا وفرنسا التي بدت داعمة بقوة في السابق، أصبحت تنادي بضرورة اتباع مقاربات “واقعية” ترى الحرب في سياقها الطويل ومعادلاتها المعقدة.
الرهان الجيوسياسي على مستقبل الحرب
لا يُختزل الجدل الدائر حول الأصول الروسية في أبعاد مالية فحسب، بل يشكّل رهانًا سياسيًا عالي المخاطر بالنسبة للاتحاد الأوروبي، إذ إن تحرير الأموال يعني القول –ضمنيًا– إن أوكرانيا قادرة على الصمود وتحقيق نتائج ملموسة في الحرب. أما التردد، فيمنح أوروبا مساحة مناورة إذا تغيّرت موازين القوى أو اتجهت المعارك نحو تسوية مجمدة. ومع التطورات الميدانية الحالية، مثل الضغط الروسي على باكروفسك والتقدم في الجنوب واستهداف البنية التحتية للطاقة الأوكرانية، تجد بعض العواصم صعوبة في المجازفة برصد مئات المليارات بينما صورة الميدان غير واضحة. كذلك، ترى حكومات عدة أن صرف الأموال الآن دون ضمانات قد يفقد أوروبا ورقة ضغط حيوية في أي مفاوضات مستقبلية مع روسيا، ما يجعل القرار أكثر تعقيدًا من مجرد خطوة مالية طارئة.
خيارات محدودة وحسابات أكثر واقعية
يرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي لم يتخل عن أوكرانيا، لكنه يعيد هندسة أدوات الدعم وفق موازين قوى تتغير بسرعة. فالإصرار على الإبقاء على الأصول الروسية مجمدة يرتبط برغبة بروكسل في الحفاظ على نفوذ تفاوضي مستقبلي، سواء تحسن الوضع العسكري لكييف أو اتجهت الحرب نحو سيناريو أكثر قتامة لصالح روسيا. وتشير توقعات إلى أن القرار المرتقب في ديسمبر قد يشمل تحريرًا تدريجيًا للأموال، مرتبطًا بنتائج المعارك وتوافقات سياسية داخلية. وفي الوقت ذاته، يدرك الأوروبيون أن أي تحسين لمستقبل أوكرانيا لن يتحقق دون خفض مستوى الصدام بين موسكو والغرب، في ظل نظام دولي تمر فيه ميزانيات الدفاع والإرادات السياسية باختبار غير مسبوق. ومع استمرار الغموض، تبدو أوروبا وأوكرانيا على حد سواء أمام مرحلة تتطلب اختيار “أقل الخيارات سوءًا”، في حرب لا تمنح أي طرف مخرجًا مريحًا.



