رغم الحصار الأمــ.ـــ.ـريكي.. إيــ.ـــ.ـران تواصل بيع النفط سرًا عبر أسطول الظل وممرات بحرية بعيدة عن هرمز
وفقًا لتقرير نشرته واشنطن بوست، كشفت صور أقمار صناعية وبيانات تتبع السفن عن استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية رغم الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على طهران في خليج عُمان. التقرير أظهر أن ناقلات نفط إيرانية نفذت عمليات نقل سرية من سفينة إلى أخرى على بعد آلاف الكيلومترات من الشرق الأوسط، قرب أرخبيل رياو الإندونيسي، في محاولة لإخفاء مصدر الشحنات قبل وصولها إلى الصين وأسواق آسيوية أخرى. هذه العمليات، التي توصف بأنها جزء من “اقتصاد الظل البحري”، تعكس قدرة إيــ.ـــ.ـران على التكيف مع العقوبات الغربية عبر شبكات معقدة من السفن والأعلام المزيفة والمسارات البحرية البديلة. وبينما تؤكد واشنطن أن الحصار يخنق الاقتصاد الإيراني ويمنع تدفق الإيرادات النفطية، تكشف الوقائع أن طهران ما زالت تجد طرقًا للحفاظ على شريانها المالي مفتوحًا، ولو بشكل مؤقت، ما يهدد بتحول المواجهة الاقتصادية إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة تمتد من الخليج حتى المحيط الهادئ.
“أسطول الظل” الإيراني يتحرك بعيدًا عن أعين واشنطن
البيانات التي حللتها الصحيفة أظهرت أن ما لا يقل عن 13 ناقلة نفط قامت بعمليات نقل سرية لشحنات نفط إيرانية منذ بدء الحصار الأمــ.ـــ.ـريكي. هذه العمليات جرت قرب جزر رياو الإندونيسية، وهي منطقة تُستخدم منذ سنوات كمحطة خفية لإعادة شحن النفط الإيراني قبل وصوله إلى الصين. وتقوم الفكرة على نقل النفط من ناقلات إيرانية إلى ناقلات أخرى تحمل أعلامًا مختلفة أو معلومات تسجيل غامضة، ما يجعل تتبع مصدر النفط أكثر صعوبة. هذه الاستراتيجية ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر تعقيدًا بعد تشديد الرقابة البحرية الأمــ.ـــ.ـريكية، حيث تعتمد السفن على إغلاق أجهزة التتبع أو استخدام هويات بحرية مزيفة للتهرب من المراقبة الدولية.

مليارات الدولارات ما زالت تتدفق إلى طهران
بحسب تقديرات شركات متخصصة في تتبع شحنات الطاقة، فإن السفن التي ظهرت في الصور الفضائية نقلت ما يقارب 22 مليون برميل من النفط الخام الإيراني، بقيمة تتجاوز ملياري دولار وفق الأسعار الحالية. هذا الرقم يوضح أن الحصار لم ينجح حتى الآن في وقف العائدات النفطية الإيرانية بشكل كامل. الصين، التي تستورد أكثر من 90% من النفط الإيراني، ما زالت تمثل الرئة الاقتصادية الرئيسية لطهران، حيث تحصل على الخام بأسعار مخفضة، بينما يوفر لإيــ.ـــ.ـران مصدر دخل يمثل قرابة نصف ميزانية الحكومة. استمرار هذه التجارة يعني أن الضغوط الاقتصادية الأمــ.ـــ.ـريكية قد تستغرق وقتًا أطول لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية.

معركة بحرية تمتد من الخليج إلى جنوب شرق آسيا
اللافت في التقرير أن المواجهة لم تعد محصورة في الخليج العربي أو مضيق هرمز، بل امتدت إلى طرق الملاحة الدولية في آسيا. فبعد بدء الحصار، وسّعت البحرية الأمــ.ـــ.ـريكية عملياتها لتشمل المحيطين الهندي والهادئ، مع منح القوات صلاحيات لاعتراض أي سفينة يشتبه في نقلها شحنات مرتبطة بإيــ.ـــ.ـران. وقد صعدت واشنطن بالفعل ضد ناقلات يشتبه في تورطها بعمليات النقل السرية، ما يشير إلى أن الحرب الاقتصادية تتحول تدريجيًا إلى سباق عالمي للمطاردة البحرية. لكن هذه الاستراتيجية تتطلب موارد ضخمة وانتشارًا بحريًا واسعًا، وهو ما يثير تساؤلات داخل دوائر الأمن القومي الأمــ.ـــ.ـريكي حول قدرة واشنطن على الاستمرار طويلًا في هذا النمط من العمليات.
طهران تغيّر طرق التهريب وتبتكر مسارات جديدة
أحد أخطر ما كشفه التقرير هو أن ناقلات النفط الإيرانية بدأت بالفعل تغيير مساراتها لتجنب المناطق التي تخضع لرقابة مشددة. فبدل المرور عبر مضيق ملقا الشهير، الذي يُعد أحد أكثر الممرات البحرية مراقبة في العالم، بدأت بعض السفن الالتفاف عبر ممر لومبوك قرب جزيرة بالي الإندونيسية، رغم أن هذا الطريق أطول وأكثر تكلفة. هذا التحول يشير إلى أن إيــ.ـــ.ـران لا تتعامل مع الحصار كأزمة مؤقتة، بل كمعركة طويلة تتطلب إعادة هندسة كاملة لشبكات النقل البحري والتجارة النفطية. ويرى محللون أن ما يحدث ليس “ارتجالًا”، بل جزء من استراتيجية متطورة للتكيف مع العقوبات والحصار.

ماذا يعني هذا للعالم وأسواق الطاقة؟
استمرار تدفق النفط الإيراني رغم الحصار يعني أن سوق الطاقة العالمي قد يبقى أكثر استقرارًا مما كانت تخشاه بعض الدول المستوردة، لكنه في المقابل يكشف حدود القوة الاقتصادية والعسكرية الأمــ.ـــ.ـريكية في فرض العزلة الكاملة على طهران. كما أن اتساع نطاق المواجهة البحرية يزيد من مخاطر وقوع حوادث أو اشتباكات قد تؤثر على حركة التجارة العالمية. كذلك فإن نجاح إيــ.ـــ.ـران في الحفاظ على جزء من صادراتها النفطية يمنحها قدرة أكبر على الصمود سياسيًا وعسكريًا، ويقلل من احتمالات رضوخها السريع للمطالب الغربية المتعلقة بالبرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي.
السيناريو المتوقع.. حصار أطول وسباق استخباراتي مفتوح
المؤشرات الحالية توحي بأن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا أكبر في حرب الظل البحرية بين واشنطن وطهران. فمن جهة، ستواصل الولايات المتحدة توسيع عمليات المراقبة والاعتراض ضد “الأسطول المظلم” الإيراني، ومن جهة أخرى ستسعى إيــ.ـــ.ـران لتطوير أساليب جديدة للتهريب وتغيير خطوط الملاحة. وإذا طال أمد الحصار، فقد نشهد انتقال جزء أكبر من تجارة النفط الإيرانية إلى مسارات برية أو شبكات نقل أكثر سرية. وفي النهاية، يبدو أن هذه الحرب الاقتصادية لن تُحسم بسرعة، بل ستتحول إلى معركة استنزاف عالمية تتداخل فيها السياسة بالطاقة والأمن البحري والاستخبارات الدولية.



