أوروبا تسابق الزمن لاحتواء خطة السلام الأمريكية–الروسية المثيرة للجدل بشأن أوكرانيا
تواجه العواصم الأوروبية واحدة من أعقد الأزمات الدبلوماسية منذ بدء الحرب الروسية–الأوكرانية، بعد الكشف عن خطة سلام أمريكية–روسية تُطرح على كييف بسرعة غير متوقعة وتحت ضغوط مباشرة من واشنطن. وتشعر أوروبا بأن الخطة، التي تضم 28 بندًا، تمثل خرقًا واضحًا لمبدأ التشاور بين الحلفاء، خصوصًا أنها طُرحت على أوكرانيا دون مشاركة أي طرف أوروبي، وتحتوي على تنازلات تعتبرها بروكسل “غير مقبولة” لأنها تمنح موسكو مكاسب استراتيجية دون مقابل. ويخشى القادة الأوروبيون أن يؤدي تبنّي الخطة بشكلها الحالي إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الأمني في القارة، وتقويض جهود دعم كييف، وإضعاف الناتو على المدى الطويل. ومع وجود قادة أوروبا في جنوب أفريقيا لحضور قمة G20، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام سباق دبلوماسي معقد لتوحيد موقفه والتصدي لصيغة تراه دول عدة بمثابة “استسلام سياسي” يُفرض على أوكرانيا في ساعة حرجة من الصراع.
صدمة أوروبية من خطة وُصفت بأنها “استسلام كامل”
أثار ظهور الخطة موجة واسعة من الصدمة داخل العواصم الأوروبية، خصوصًا أن المقترح الأميركي–الروسي يشمل تخلي أوكرانيا عن أراضٍ تسيطر عليها فعليًا، وفرض حظر دائم على انضمامها للناتو، وعدم السماح بنشر قوات للحلف داخل أراضيها. ووفق مصادر للفايننشال تايمز، فوجئت أوروبا بمدى تقدم المفاوضات بين فريقَي الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين دون إشراكها، ما اعتُبر تجاوزًا سياسيًا للحلفاء الذين تحملوا عبء الدعم العسكري والاقتصادي لكييف خلال الأعوام الماضية. أحد الدبلوماسيين وصف الخطة بأنها “capitulation” أو استسلام كامل، فيما دعا آخرون إلى التمسك بالهدوء وإعادة صياغة موقف موحّد يمنع تمرير المبادرة بصيغتها الحالية. ويخشى الأوروبيون أن يخلق قبول أوكرانيا لهذه البنود سابقة خطيرة تتيح لموسكو فرض شروط أحادية مستقبلًا.
ارتباك حول موقف ترامب… وانقسامات داخل إدارته
تتزايد التساؤلات في العواصم الأوروبية حول مدى دعم ترامب شخصيًا للخطة، خاصة بعد تلقّي دبلوماسيين إشارات متضاربة من مسؤولين أميركيين. ثلاثة مسؤولين أوروبيين أكدوا أن واشنطن لم توضح إن كان المقترح يعبر عن موقف رئاسي نهائي أم عن خلافات داخل الإدارة بين من يدفع سريعًا نحو صفقة سياسية وبين من يفضّل مواصلة الضغط على موسكو. وأشار أحدهم إلى أن الوضع يعيد أوروبا إلى “مخاوف بداية العام”، حين خشيت العواصم الغربية أن يجبر ترامب كييف على قبول شروط روسية صارمة. واعتبر مسؤولون آخرون أن الارتباك الأميركي قد يفتح الباب أمام صياغات بديلة، لكنهم في الوقت نفسه يخشون من أن يخلق هذا التذبذب فجوة استراتيجية بين ضفتي الأطلسي في لحظة حساسة.
قمة G20 تعرقل الرد الأوروبي… واجتماع أزمة طارئ
جاء الإعلان عن الخطة بالتزامن مع سفر قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة إلى جنوب أفريقيا للمشاركة في قمة G20، ما تسبب في إرباك جهود التنسيق الأوروبية. ودفعت التطورات المفاجئة إلى الدعوة لعقد اجتماع أزمة في جوهانسبرغ من أجل صياغة رد موحد يواجه الاندفاعة الأميركية. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن “لا شيء عن أوكرانيا دون أوكرانيا”، مؤكدة أن الاتحاد لم يُستشر ولم يتسلم أي نسخة رسمية من الخطة. أما رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، فأكد أن غياب التشاور يُعد سابقة مقلقة في إدارة الملف الأوكراني. وبينما تحاول أوروبا لملمة موقفها، تخشى عدة حكومات من أن يؤدي التعجيل الأميركي إلى فرض حقائق سياسية قبل استكمال مشاورات الحلفاء.
ضغوط أميركية متزايدة… وكييف تلتزم الحذر
وفق مصادر أميركية، تضغط إدارة ترامب على كييف لتسريع المفاوضات، معتبرة أن “اللحظة الحالية مناسبة لتحقيق اختراق سياسي”. وقد استدعت السفارة الأميركية في كييف ممثلي الدول الأوروبية لإطلاعهم على تفاصيل الخطة عقب لقاء وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول بالرئيس فولوديمير زيلينسكي. لكن أوكرانيا ردت بحذر، حيث نفى أمين مجلس الأمن القومي روستيم عمروف موافقة كييف على أي من البنود المثيرة للجدل، مشددًا على تمسك بلاده بمبادئ السيادة والأمن والسلام العادل. وأشار إلى أن أوكرانيا “تدرس مقترحات الشركاء بدقة” وتتوقع احترامًا مماثلًا لخطوطها الحمراء، وهو ما أكسب موقف كييف دعمًا أوروبيًا واسعًا.
بنود تثير الهلع… وصدمات في أسواق الدفاع والطاقة
تسببت البنود الأساسية للخطة في هزة داخل أسواق الدفاع الأوروبية، بسبب توقع تهدئة ميدانية قد تقلص الطلب على المعدات العسكرية. وانخفض مؤشر Stoxx 600 Defence بنسبة 2.6%، كما هبطت أسهم شركات كبرى مثل Renk وRheinmetall وHensoldt بنسب تراوح بين 5% و8%. وشمل الانخفاض أيضاً قطاعي النفط والغاز نتيجة توقع الأسواق لتراجع المخاطر الجيوسياسية. البنود الأكثر إثارة للجدل تضمنت: منع انضمام أوكرانيا للناتو نهائيًا، حظر انتشار قوات الحلف على أراضيها، تخصيص 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمّدة لصندوق إعادة إعمار يحقق أرباحًا للولايات المتحدة، مقابل غياب تام لأي التزام روسي. وهذا التفاوت بين ما يُطلب من كييف وما يُمنح لموسكو اعتبرته أوروبا ضربة لمصداقية الردع الغربي.
أوروبا: الخطة بلا تنازلات روسية… ولا ضمانات أمنية
وصفت أورسولا فون دير لاين الخطة بأنها “تفتقر تمامًا لأي تنازل من روسيا”، مؤكدة أن الواقع الميداني يوضح وجود معتدٍ واحد وضحية واحدة. وقالت إن موسكو، لو كانت جادة بشأن السلام، لقدّمت وقفًا لإطلاق النار دون شروط. كما شددت لندن على دعمها للحلول الدبلوماسية، لكنها ذكرت أن “مستقبل أوكرانيا يقرره شعبها فقط”. وعلى الرغم من القلق الأوروبي، يرى بعض الدبلوماسيين أن الأزمة الراهنة قد تفتح الباب لمفاوضات أوسع، لكنهم يشددون على أن أي مشروع سلام لا يحفظ سيادة أوكرانيا ويُلزم روسيا بخطوات ملموسة لن يحظى بدعم أوروبي.



