توتر متصاعد على الحدود… إسرائيل تستعد لخيارات عسكرية ضد حزب الله

يشهد الشمال الإسرائيلي حالة من الهدوء المشوب بالتوتر، إذ تتجاور مشروعات إعادة الإعمار مع هواجس التصعيد ضد حزب الله، في وقت تتزايد فيه المؤشرات السياسية والعسكرية على اقتراب مواجهة جديدة بين الطرفين. ومع استمرار الأضرار التي لحقت بالبلدات الحدودية، تعيش المجتمعات هناك مفارقة حادة تجمع بين رغبة في العودة إلى الحياة الطبيعية وقلق متجدد من حرب قد تندلع في أي لحظة. ويبرز هذا التوتر في ظل التحليلات الإسرائيلية التي تعتبر أن جبهة لبنان باتت أكثر سخونة من جبهة غزة، وأن أي خطأ تكتيكي على الخط الأزرق قد يؤدي إلى اشتعال القتال مجددًا. وفي الوقت نفسه، تتواصل عملية إعادة إعمار واسعة تموَّل بميزانيات حكومية كبيرة، لكنها لا تحجب شعور السكان بأن الواقع الأمني هشّ للغاية وأن العودة إلى نمط الحياة السابق ما تزال رهينة بقرارات سياسية وعسكرية متغيرة. وهذا المزيج يخلق مشهدًا حدوديًا مضطربًا يتربص به التصعيد في أي لحظة.
مدن حدودية بين الجراح والإعمار
في كيبوتس منارة، تتجاور آثار الحرب مع محاولات سكان الشمال استعادة حياتهم اليومية، حيث يطل نوعام إرليخ على بقايا مصنع الجعة الذي كان مصدر رزقه قبل الدمار. ويعكس هذا المشهد طبيعة التحديات التي يعيشها السكان الذين وجدوا أنفسهم بين فقدان منازلهم وضياع أعمالهم وبين ضرورة الاستمرار. ورغم أن إرليخ اضطر لنقل إنتاجه إلى مصانع كبيرة داخل إسرائيل، فإن مبيعاته تضاعفت بعد الحرب، في مفارقة تجسّد ما يسميه «النعمة المقنّعة». ومع ذلك، يبقى الشعور بالتهديد حاضرًا على الدوام، إذ يصعب على سكان المناطق الحدودية تجاهل ما خلفته الصواريخ من شروخ مادية ونفسية. ويؤكد كثيرون أن عملية ترميم المنازل لا تعني ترميم الإحساس بالأمان، وأن العودة الكاملة لحياة طبيعية تتطلب ضمانات أمنية أكثر استقرارًا وتماسكًا، خصوصًا في ظل استمرار التوتر بين إسرائيل وحزب الله.

سياسة إسرائيل… توافق على التصعيد
في الداخل الإسرائيلي، يتفق قادة سياسيون من مختلف الاتجاهات على أن مواجهة جديدة مع حزب الله باتت مسألة وقت، في ظل ما يصفونه بـ«التهديد المستمر» من الجانب اللبناني. وتستند هذه القناعة إلى قراءة أمنية تشير إلى أن الحزب ما يزال يمتلك قدرات صاروخية كبيرة رغم وقف إطلاق النار، كما أن إطلاق الصواريخ المتقطع خلال حرب غزة أعاد مخاوف الشمال إلى الواجهة. وتسببت المواجهات الأخيرة في سقوط عشرات القتلى من الجنود والمدنيين الإسرائيليين، إضافة إلى نزوح واسع شمل عشرات الآلاف. وفي المقابل، خلّفت الهجمات الإسرائيلية في لبنان خسائر بشرية كبيرة ودمارًا واسعًا في البنى التحتية. ويؤكد محللون أن الحدود اللبنانية أصبحت نقطة الاشتعال الأكثر خطورة، وأن أي تصعيد قد يكون أعمق تأثيرًا من جولات القتال السابقة. كما يرى آخرون أن الخطاب السياسي الداخلي في إسرائيل، خصوصًا من المقربين للحكومة، يُسهم في رفع احتمالات المواجهة.
متولا… إعادة بناء وهوية جديدة
تعرضت بلدة متولا لدمار واسع خلال الحرب، إذ تضرر نحو 80% من منازلها بسبب قربها الشديد من مواقع إطلاق صواريخ حزب الله. وكانت البلدة قبل الحرب مقصدًا لسياح وباحثين عن الهدوء، لكنها تحولت أثناء المواجهات إلى منطقة عسكرية مغلقة. واليوم، تستعيد البلدة معالمها بميزانيات كبيرة تسمح بترميم الكنيس القديم وشبكات الطرق والخدمات العامة. لكنّ هذا الإعمار لا يعني بالضرورة عودة السكان؛ فقد استقرت العديد من الأسر في مدن أخرى حيث فرص العمل متاحة والخدمات أكثر استقرارًا. كما برزت موجة جديدة من السكان المتدينين القوميين الذين يعتبرون إعادة إعمار متولا مهمة وطنية، ما يغير شيئًا من هويتها العلمانية التقليدية. ويؤكد رئيس البلدية أن البلدة ستبقى علمانية، لكنه لا يستطيع منع أي فئة من الاستقرار فيها. ويبقى السؤال ما إذا كان هذا التغيير سيعيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية أم سيخلق واقعًا سكانيًا جديدًا بالكامل.
كريات شمونة… مدينة تبحث عن أمان مفقود
تستمر كريات شمونة، أكبر مدن الشمال، في مواجهة تبعات النزوح، إذ لا يزال ربع سكانها خارج المدينة رغم توقف المواجهات. وتعاني الحركة الاقتصادية ركودًا واضحًا, إذ لا تزال العديد من المحال التجارية مغلقة بينما تعمل المتاجر المفتوحة بقدرة محدودة لا تغطي التكاليف التشغيلية. ويعزو السكان ذلك إلى عدم وجود ضمانات أمنية حقيقية، خصوصًا بعد تجربة هجوم حماس في 2023 الذي أعاد إلى الأذهان سهولة اختراق الحدود. ويقول أصحاب الأعمال إن أبناءهم الذين انتقلوا إلى الوسط اعتادوا حياة أكثر استقرارًا، وهو ما يجعل العودة أقل جاذبية. وترى المحللة ياميت ملول ياناي أن الحكومات المتعاقبة أهملت المدينة رغم أهميتها الاستراتيجية. وتشدد على أن عودة السكان لن تتحقق إلا بتوفير منظومة أمنية واقتصادية تضمن ألا تتعرض المنطقة لصدمة جديدة. ويبدو أن الثقة وحدها هي الشرط الأكثر غيابًا رغم أعمال الترميم المستمرة.
الخط الأزرق… حدود ملتهبة رغم الهدنة
يمتد الخط الأزرق عبر مناطق جبلية وغابات كثيفة ومسارات وعرة، ما يجعله من أكثر خطوط التماس تعقيدًا في المنطقة. ورغم أنه لا يُعترف به كحدود دولية رسمية، فإنه يشكل الواقع الفعلي الذي تعتمد عليه إسرائيل ولبنان في إدارة وقف إطلاق النار. وتحتفظ إسرائيل بخمسة مواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وفق تأكيدات الأمم المتحدة، بينما تواصل بناء جدران إسمنتية عالية لتقليل احتمالات التسلل. وفي بلدات مثل شطولا، لا يزال السكان مترددين في العودة نظرًا للدمار الواسع الذي لحق بالمنازل والبنى التحتية. وفي الوقت نفسه، كثّفت إسرائيل من إجراءات تحصين الحدود باستخدام تقنيات مراقبة متقدمة تعمل على مدار الساعة. ويؤكد ضباط الجيش أن درس غزة دفعهم إلى اعتماد منظومة أمنية متعددة الطبقات، تشمل الجدران والدوريات والتقنيات الاستخباراتية. ومع ذلك، يبقى هذا الخط المتوتر قابلًا للاشتعال عند أي خلل بسيط في قواعد الاشتباك.
حزب الله… حسابات دقيقة تحت الضغط
يعتمد حزب الله نهجًا حذرًا في التعامل مع الغارات الإسرائيلية المتواصلة، موازنًا بين الرد المحدود وتجنب حرب شاملة قد يدفع لبنان ثمنها الباهظ. فرغم تنفيذ إسرائيل أكثر من ألف غارة منذ اتفاق الهدنة، لم يأمر الحزب برد واسع، مؤكدًا التزامه ببنود الاتفاق التي تشمل الابتعاد عن المنطقة الحدودية. ويرى محللون أن الحزب يدرك صعوبة المشهد اللبناني الداخلي، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي، وهو ما يدفعه إلى تجنب معركة شاملة ما لم تُفرض عليه. وفي المقابل، تستخدم إسرائيل هذا الهدوء النسبي لتوجيه رسائل ردع للجيش اللبناني والمجتمع الدولي. ويكرر مسؤولون إسرائيليون أن احترام وقف النار لا يتعارض مع «حماية أمن إسرائيل»، ما يجعل الوضع محفوفًا بالمخاطر. ويخشى المراقبون من أن أي تعديل في ميزان الردع، أو خطأ في التقدير العسكري، قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة تعيد لبنان وإسرائيل إلى مسار الحرب المفتوحة.
بين الإعمار والدمار… مستقبل غير محسوم
يعكس المشهد على الجانبين فجوة كبيرة بين إعادة الإعمار السريعة في إسرائيل واستمرار الدمار في القرى اللبنانية التي لم تُرمّم بنيتها التحتية بعد. ويرى مسؤولون محليون في متولا أن هذا التباين يمثل شكلًا من أشكال «الانتصار»، إذ تستعيد بلدات الشمال الإسرائيلية عافيتها بينما تبقى البلدات اللبنانية مهشمة. لكنّ هذا الواقع لا يعني استقرارًا دائمًا، فالوضع الأمني هش للغاية، والحدود مرشحة للاشتعال في أي لحظة. ويخشى السكان من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية إلى اندلاع مواجهة جديدة قد تمحو ما تحقق من إعادة إعمار في يوم واحد. وفي ظل هذه المعادلة المتوترة، يعيش الشمال على وقع مستقبل مفتوح على احتمالات عديدة، تتراوح بين استمرار الهدوء الهشّ والانزلاق السريع إلى صراع جديد يشعل المنطقة من جديد ويضغط على المدنيين على جانبي الحدود.




