بدعم أمريكي.. مقترح أممي يمنح قوة الاستقرار في غزة صلاحيات استثنائية

يتجه الملف الأمني لقطاع غزة نحو مرحلة جديدة تتوسّط فيها إدارة دولية للفترة الانتقالية، بعدما كشف تقرير لصحيفة «ذا جارديان» عن مقترحٍ يهيئه مجلس الأمن لمنح قوة استقرار دولية صلاحيات واسعة داخل القطاع. المقترح الذي تحظى به الولايات المتحدة بدعم أوروبي محتمل يسعى لصياغة تفويض عملي يميّز هذه القوة عن قوى حفظ السلام التقليدية للأمم المتحدة، ويمنحها مرونة تنفيذية واسعة لمواجهة الجماعات المسلحة وضبط الأمن العام بسرعة وفعالية. تتقاطع في هذا الصدد قضايا معقدة تتعلق بشرعية التفويض وآليات الرقابة الدولية وقيادة القوة، إضافةً إلى التداعيات السياسية على السيادة الفلسطينية ومستقبل إدارة القطاع، ما يجعل مسار تنفيذ أي اتفاق مرهونًا بتوافقات دبلوماسية إقليمية ودولية حساسة. وتأتي هذه الخطوة بعد شهور من العمليات العسكرية التي أحدثت دمارًا واسعًا في البنية التحتية، ما ربط ملف إعادة الإعمار ارتباطًا وثيقًا بمقترحات السلام والأطر الأمنية الدولية. وفي ظل ضغوطٍ إقليمية ودولية، تبدو الخيارات المطروحة محاولةً جادة لوضع آليات ملموسة لتحقيق استقرار قصير ومتوسط الأمد مع وعودٍ بتحويل الدعم إلى مشاريع إنمائية تنهي حالة الطوارئ.
قوة بتفويض خاص وصلاحيات مركزية
بحسب التقرير، تضغط واشنطن بقوة نحو منح قوة الاستقرار تفويضًا عمليًا من مجلس الأمن مع إبقائها خارجة عن هيكل حفظ السلام الأممي التقليدي. وتعني الصيغة المقترحة تزويد القوة بصلاحيات ميدانية شاملة تتيح لها إدخال آليات سريعة للتعامل مع التهديدات المسلحة وحفظ النظام ومنع تجدد العمليات المسلحة. تستند هذه الفكرة إلى تجارب دولية سابقة منحت عناصر دولية صلاحيات أمنية واسعة لمواجهة عصابات مسلحة وتنظيمات خارج القانون. وتُدرج أسماء دول مثل تركيا وإندونيسيا وأذربيجان ضمن المرشحين للمساهمة بقوات أو بدعم لوجستي، فيما استُبعدت مشاركة قوات أوروبية كبيرة لأسباب سياسية وعسكرية. ويثير الاقتراح تساؤلات عن آليات المحاسبة القانونية في حال ارتكبت عناصر القوة تجاوزات، وعن كيفية ضمان التوازن بين سرعة التنفيذ والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما أن صيغة التفويض ستحدد صلاحيات الاعتقال والتفتيش ومدى التنسيق مع المؤسسات القضائية الفلسطينية، وهو ما سيؤثر مباشرة على قبول السكان المحليين بوجودها.
التدريب الفلسطيني ودور القوة الدولية
في السياق نفسه، تعمل المملكة المتحدة على تدريب قوة شرطية فلسطينية تُعد لتولي مهام شرطية مدنية لاحقًا، لكن المقترح الأممي يقترح أن تتولى القوة الدولية القيادة الميدانية الكاملة والإشراف العام على الأمن، مما يضع الجانب الفلسطيني غالبًا في موقع تنسيقي وتنفيذي محدود بدلاً من قيادة مباشرة. ترى واشنطن ولندن أن هذا الترتيب إذا نجح فسيفتح المجال لانسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق داخل غزة، لكن تل أبيب تصرّ على عدم التخلي عن مساحات حدودية واسعة بحجة الحماية من أي تهديدات محتملة. يفتح هذا التباين في المواقف جدلاً حول مدى فعالية التدريب الذي توفّره الدول الغربية للقوى الأمنية المحلية، وإمكان بناء جهاز شرطٍ محلي قادر على الاستقلال دون الاعتماد طويل الأمد على التدخل الدولي، كما يُثير احتمالات تنازع الصلاحيات بين القوة الدولية والشرطة المحلية وصعوبات إدارة تلك الانتقالات دون خلق فراغات أمنية.
سلاح حماس.. معضلة التنفيذ والسياسة
تبقى مسألة سلاح حماس من أعقد الملفات؛ فهي ليست مسألة تقنية فحسب بل رمزية وسياسية شديدة الحساسية. تشير المقترحات إلى اعتماد نهج تدريجي لنزع السلاح، عبر هيئة تحقق مستقلة تشرف على تسليم الأسلحة الثقيلة وقاذفات الصواريخ أولًا، مع تأجيل معالجة الأسلحة الشخصية إلى مراحل لاحقة تتطلب تفاهمات محلية دقيقة. كما تُرجّح الصحيفة أن حماس قد تفضل تسليم الترسانة إلى هيئة فلسطينية لتقليل دلالات الاستسلام، بينما قد تُستدعى أطراف ثالثة لتقديم ضمانات أو تحقق لصالح إسرائيل. التوقيت السياسي للعملية سيكون حاسمًا كذلك: تنفيذ إجراءات نزع السلاح مبكرًا قد يؤدي إلى انفلات أمني، وتأخيره قد يبقي على خطر تجدد المواجهات، لذا يلزم مزيج من الضمانات السياسية والآليات الفنية والرقابة الدولية لتفادي أي تصعيد خلال التنفيذ.
“مجلس السلام” وإشكاليات الإعمار والتمويل
يتضمن المقترح أيضاً إنشاء ما يُعرف بـ”مجلس السلام” للإشراف على المرحلة المدنية والاقتصادية، وتشغيل لجنة مكوّنة من خبراء وتقنيين فلسطينيين تحت رعاية إشرافية دولية. تدعم المملكة المتحدة فكرة إشراك شخصية دولية سابقة في الواجهة الإشرافية ضمن الإطار الذي طرحه الرئيس الأمريكي، فيما يُتوقَّع أن تُبلور ملامح الهيئة خلال مؤتمر إعادة الإعمار المقرر في نوفمبر. تُشير التقديرات إلى أن كلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز 67 مليار دولار، ما يستلزم مزجًا بين المساهمات الحكومية والخليجية والتمويل الخاص لاستكمال الحزمة. من المرجح أن تُشترط آليات الحوكمة والإصلاح الإداري كشرط لإطلاق الحزم المالية، وهو ما قد يثير توترات مع القيادات المحلية إذا ما رفضت شروطًا معينة، وبالتالي سيكون وضوح أطر الحوكمة شرطًا أساسيًا لجذب استثمارات مستدامة.
تبعات الدبلوماسية والشرعية
رغم أن المقترح يُعرض باعتباره مسارًا عمليًا لاستعادة الاستقرار وبدء إعادة الإعمار، يحذر معارضون من أن صيغ الإدارة الدولية قد تُهمّش المساءلة الفلسطينية وتكرّس أشكالًا من الوصاية تحت ذرائع أمنية. نجاح الخطة مرهون بصيغة التفويض، ووضوح معايير الرقابة، وإشراك فاعلين فلسطينيين موثوقين، بالإضافة إلى آليات التعامل مع ملف السلاح التي توازن بين الضمانات الأمنية لإسرائيل وكرامة الفلسطينيين السياسية. تبقى الآفاق مرتبطة بتفاصيل دبلوماسية معقدة، وقد تفتح المقترحات طريقًا نحو استقرار مشروط ومؤقت إذا حُقّقت التوافقات المطلوبة، أو تعيد إنتاج أزمات موروثة إذا فشلت آليات التنفيذ والرقابة.



