تركيا تدخل رسميًا عصر المقاتلات الشبحية.. صفقة “KAAN” تكشف طموح أنقرة العسكري الجديد

وفقًا لتقرير نشره موقع متخصص في الشؤون الدفاعية والعسكرية، وقّعت تركيا رسميًا عقدًا لتوريد 20 مقاتلة من الجيل الخامس “KAAN” لصالح سلاح الجو التركي، في خطوة تُعد واحدة من أكبر التحولات في تاريخ الصناعات الدفاعية التركية الحديثة. الاتفاق الجديد يحدد بدء تسليم الطائرات عام 2028 والانتهاء الكامل من الدفعة الأولى بحلول نهاية 2030، ما يعني أن أنقرة باتت على أعتاب امتلاك أول أسطول محلي من المقاتلات الشبحية المتطورة.
الصفقة لا تعكس مجرد تحديث عسكري تقليدي، بل تمثل إعلانًا واضحًا عن دخول تركيا نادي الدول القادرة على تطوير وإنتاج مقاتلات الجيل الخامس محليًا، بعد سنوات من الاعتماد على الطائرات الغربية وعلى رأسها “إف-16”. كما تأتي هذه الخطوة بعد استبعاد أنقرة من برنامج المقاتلة الأمريكية “إف-35” عقب أزمة شراء منظومة “إس-400” الروسية، وهو ما دفع القيادة التركية لتسريع مشروعها السيادي في مجال الطيران الحربي.
مقاتلة “KAAN”.. مشروع استراتيجي لتغيير ميزان القوة
المقاتلة التركية الجديدة “KAAN” تم تطويرها بواسطة شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية Turkish Aerospace Industries المعروفة اختصارًا باسم “توساش”، وتُصنف كمقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس بقدرات شبحية متقدمة. المشروع يمثل بالنسبة لتركيا أكثر من مجرد منصة قتالية؛ إذ يُنظر إليه باعتباره ركيزة استراتيجية لتعزيز الاستقلال العسكري وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.
وتتميز الطائرة بمحركين نفاثين وقدرة على بلوغ سرعة تصل إلى 1.8 ماخ، إضافة إلى سقف تحليق يبلغ 55 ألف قدم. كما صُممت لتكون قادرة على تنفيذ مهام التفوق الجوي والهجمات بعيدة المدى، مع مرونة تشغيلية تسمح لها بالعمل ضمن بيئات قتالية معقدة ومتشبعة بالتهديدات الإلكترونية والدفاعات الجوية الحديثة.
لماذا تُعد “KAAN” مقاتلة من الجيل الخامس؟
الجيل الخامس من المقاتلات لا يعتمد فقط على السرعة أو المناورة، بل يقوم أساسًا على تقنيات التخفي والاندماج الشبكي بين الأنظمة المختلفة. وفي حالة “KAAN”، تم دمج خصائص التخفي في تصميم هيكل الطائرة منذ البداية، بما يشمل شكل البدن ومداخل الهواء والمعالجة الخاصة للأسطح لتقليل البصمة الرادارية.
كما تعتمد الطائرة على مفهوم “دمج المستشعرات”، الذي يسمح بجمع وتحليل البيانات القادمة من الرادارات وأجهزة الاستشعار المختلفة في صورة قتالية موحدة، وهو ما يمنح الطيار قدرة أعلى على اتخاذ القرار السريع. كذلك تم تصميمها للعمل ضمن شبكات قتالية متصلة، بما يسمح بتبادل البيانات مع الطائرات والمنصات الأرضية الأخرى في الزمن الحقيقي.
استبعاد تركيا من “إف-35” غيّر كل شيء
برنامج “KAAN” لم يولد من فراغ، بل جاء نتيجة مباشرة للأزمة السياسية والعسكرية التي نشبت بين أنقرة وواشنطن بعد شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400” عام 2019. القرار الأمريكي باستبعاد تركيا من برنامج “إف-35” شكّل صدمة كبيرة للمؤسسة العسكرية التركية، لكنه في الوقت نفسه دفع أنقرة نحو تسريع مشاريعها المحلية.
ومنذ ذلك الحين، ضخت تركيا استثمارات ضخمة في الصناعات الدفاعية والطيران العسكري، مع التركيز على تطوير قدرات محلية تشمل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الرادار، والمحركات، والمقاتلات المتقدمة. الرحلة الأولى للنموذج الأولي من “KAAN” في فبراير 2023 اعتُبرت لحظة فارقة أثبتت قدرة المشروع على الانتقال من مرحلة التصميم إلى الاختبارات العملية.
أزمة المحركات.. العقبة الأكبر أمام الاستقلال الكامل
رغم التقدم الكبير في المشروع، لا تزال قضية المحركات تمثل التحدي الأبرز أمام تركيا. النسخة الأولى “Block-10” ستعمل بمحركات أمريكية من طراز “F110”، وهي نفس المحركات المستخدمة في بعض نسخ مقاتلات “إف-16”. ورغم كفاءتها العالية وسجلها الطويل، فإن استخدامها يكشف استمرار اعتماد أنقرة جزئيًا على التكنولوجيا الغربية.
تركيا تعمل بالتوازي على تطوير محرك محلي بالكامل للمقاتلات المستقبلية، لكن هذا المسار يُعد من أصعب التحديات التقنية في عالم الصناعات الجوية. نجاح هذا المشروع سيحدد مستقبل “KAAN” كمنصة قتالية مستقلة بالكامل، وسيعزز قدرة أنقرة على تصدير الطائرة دون قيود سياسية أو تكنولوجية خارجية.
ماذا تعني هذه الصفقة للمنطقة وحلف الناتو؟
دخول “KAAN” الخدمة بين 2028 و2030 يتزامن مع اقتراب تقاعد بعض أساطيل “إف-16” التركية القديمة، ما يضمن استمرار الجاهزية القتالية للقوات الجوية التركية دون فجوات كبيرة. كما أن امتلاك تركيا لمقاتلة شبحية محلية سيمنحها وزنًا عسكريًا وسياسيًا أكبر داخل حلف NATO، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
الصفقة قد تفتح أيضًا الباب أمام سباق تسلح إقليمي جديد، خصوصًا إذا نجحت تركيا لاحقًا في تصدير المقاتلة لدول حليفة تبحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استقلالية من المقاتلات الغربية التقليدية. كما ينظر كثير من المحللين إلى المشروع باعتباره رسالة واضحة بأن أنقرة تسعى لبناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على المنافسة عالميًا خلال العقد المقبل.



