وفقاً لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، أثارت تصريحات الرئيس الروسي Vladimir Putin الأخيرة حول أن الحرب في أوكرانيا “قد تكون تقترب من نهايتها” موجة واسعة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والعسكرية الغربية. فبعد أكثر من أربع سنوات من القتال العنيف، ومع استمرار المواجهات اليومية والطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات المتبادلة، يبدو أن موسكو بدأت تدرك أن تحقيق “النصر البطيء” الذي راهنت عليه لم يعد مضموناً كما كان في السابق. التقرير يشير إلى أن مجموعة من العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية دفعت الكرملين لإرسال إشارات جديدة تتحدث عن التفاوض وإنهاء الحرب، في وقت تتغير فيه موازين القوة على الأرض بشكل تدريجي، وتواجه روسيا تحديات متزايدة على عدة جبهات.
روسيا بدأت تفقد الزخم العسكري
التقرير يؤكد أن القوات الروسية لم تعد تحقق التقدم المستمر الذي كانت تحققه خلال السنوات الماضية، خاصة بعد نجاح القوات الأوكرانية في استعادة مناطق مهمة مثل كوبيانسك خلال الأشهر الأخيرة. التطورات الأخيرة أظهرت أن أوكرانيا أصبحت أكثر قدرة على تعطيل الخطط الروسية وإبطاء الهجمات، بل وتحويل بعض الجبهات إلى مناطق استنزاف حقيقية للقوات الروسية.
وبحسب معهد دراسة الحرب الأمريكي، فإن روسيا خسرت مساحات جديدة من الأراضي خلال أبريل الماضي، وهو ما اعتُبر تحولاً مهماً بعد فترة طويلة من التقدم الروسي البطيء. هذه التطورات جعلت فكرة “الانتصار الحتمي” لموسكو أقل وضوحاً من السابق.

الخسائر البشرية أصبحت أزمة حقيقية
واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه موسكو حالياً هي ارتفاع أعداد القتلى والجرحى مقارنة بمعدلات التجنيد الجديدة. أوكرانيا تقول إن روسيا تخسر شهرياً عشرات الآلاف من الجنود، خاصة بسبب هجمات الطائرات المسيّرة التي أصبحت سلاحاً حاسماً في الحرب الحديثة.
وفي المقابل، تشير تقديرات اقتصادية وعسكرية إلى أن معدلات التجنيد الروسية بدأت تتراجع مقارنة بالسنوات الماضية، بينما لا يبدو أن بوتين مستعد لإعلان تعبئة عسكرية واسعة جديدة بسبب المخاوف من الغضب الشعبي الداخلي، خاصة بعد تداعيات التعبئة الأولى عام 2022.
الهجمات الأوكرانية تضرب الاقتصاد الروسي
رغم استفادة روسيا من ارتفاع أسعار النفط بعد الحرب على إيــ.ـ.ـران، فإن أوكرانيا نجحت مؤخراً في توجيه ضربات مؤثرة للبنية النفطية الروسية، بما في ذلك موانئ تصدير ومنشآت تكرير مهمة. هذه الهجمات أثرت على صادرات النفط الروسية وأثارت قلقاً داخل موسكو بشأن مستقبل العائدات النفطية التي تعتمد عليها خزينة الدولة بشكل كبير.
التقرير يشير إلى أن أي اتفاق محتمل بين أمــ.ـ.ـريكا وإيــ.ـ.ـران قد يؤدي لاحقاً إلى انخفاض أسعار النفط مجدداً، وهو ما قد يوجه ضربة إضافية للاقتصاد الروسي الذي يعتمد على استمرار الأسعار المرتفعة.

أوكرانيا تحولت إلى قوة ضخمة في عالم المسيّرات
من أبرز التحولات في الحرب أن أوكرانيا لم تعد تعتمد فقط على الدعم الغربي التقليدي، بل أصبحت تطور صناعتها الخاصة من الطائرات المسيّرة وأنظمة الاعتراض والصواريخ الذكية. كييف نجحت في تنفيذ هجمات بعيدة المدى داخل العمق الروسي، واستهدفت منشآت تبعد مئات الكيلومترات عن الجبهة.
كما أن أوكرانيا بدأت في تصدير بعض تقنياتها العسكرية الخاصة بالطائرات المسيّرة إلى دول أخرى، وهو ما يعكس تطوراً كبيراً في قدراتها العسكرية والتكنولوجية خلال السنوات الأخيرة.
بوتين يريد إعادة جذب اهتمام ترامب
التقرير يرى أن أحد أسباب تصريحات بوتين الأخيرة قد يكون محاولة إعادة فتح قنوات التفاوض مع الرئيس الأمــ.ـ.ـريكي Donald Trump، خاصة بعدما انشغلت الإدارة الأمــ.ـ.ـريكية بالحرب في الشرق الأوسط والتوتر مع إيــ.ـ.ـران.
بوتين يدرك أن ترامب يبحث عن إنجازات سياسية ودبلوماسية، وقد يحاول استغلال ذلك لإحياء مفاوضات تفرض على أوكرانيا تقديم تنازلات جديدة، خصوصاً في منطقة دونيتسك التي ما تزال موسكو تعتبرها هدفاً استراتيجياً أساسياً.

موسكو لم تتراجع عن مطالبها الأساسية
ورغم الحديث عن “نهاية الحرب”، فإن الكرملين لم يغير حتى الآن مطالبه الرئيسية. المسؤولون الروس ما يزالون يشددون على ضرورة انسحاب أوكرانيا من أجزاء واسعة من دونيتسك قبل بدء أي مفاوضات سلام حقيقية.
هذا يعني أن التصريحات الروسية الحالية قد تكون جزءاً من مناورة سياسية ودبلوماسية أكثر من كونها تحولاً جذرياً في موقف موسكو تجاه الحرب.
الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً
المشهد الحالي يشير إلى أن الحرب لم تعد مجرد معركة تقليدية على الأرض، بل أصبحت حرب استنزاف اقتصادية وتكنولوجية وسياسية طويلة الأمد. روسيا تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية، بينما تحاول أوكرانيا إثبات قدرتها على الصمود وتغيير المعادلة العسكرية تدريجياً.
كما أن انشغال الغرب بأزمات أخرى، خاصة في الشرق الأوسط وآسيا، قد يفتح الباب أمام تحولات جديدة في شكل الدعم المقدم لكييف خلال الفترة المقبلة.
العالم يترقب الخطوة التالية
تصريحات بوتين أثارت تساؤلات كثيرة داخل العواصم الغربية حول ما إذا كانت موسكو تمهد فعلاً لتسوية سياسية، أم أنها مجرد محاولة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والاقتصادية.
وفي ظل استمرار المعارك، وتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة، والتوتر العالمي المرتبط بأسعار الطاقة والحروب الإقليمية، يبدو أن مستقبل الحرب في أوكرانيا ما يزال مفتوحاً على جميع السيناريوهات.



