صراع ألماني فرنسي على عملاق الدبابات الأوروبي.. “كيه إن دي إس” تضغط قبل طرح تاريخي بمليارات اليورو

وفقاً لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية،
دخلت ألمانيا وفرنسا في مواجهة سياسية واقتصادية حساسة حول مستقبل شركة “كيه إن دي إس” الأوروبية العملاقة لصناعة الدبابات والأسلحة الثقيلة، بعدما ضغطت الشركة على حكومة برلين لحسم قرارها بشأن شراء حصة داخل المجموعة قبل طرحها في البورصة خلال الأسابيع المقبلة. الشركة، التي تُعد أحد أهم أعمدة الصناعة العسكرية الأوروبية وتنتج دبابات “ليوبارد 2” الشهيرة، تسعى إلى تنفيذ طرح عام قد يرفع قيمتها السوقية إلى ما بين 15 و20 مليار يورو، مستفيدة من الطفرة الهائلة في الإنفاق العسكري الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية. لكن الخلافات داخل الحكومة الألمانية، والتوترات المتزايدة مع باريس بشأن السيطرة والنفوذ داخل الشركة، باتت تهدد واحدة من أكبر الصفقات الدفاعية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
“كيه إن دي إس” تضغط على برلين قبل فوات الأوان
رئيس مجلس إدارة الشركة توم إندرز بعث برسالة مباشرة إلى الحكومة الألمانية يحذر فيها من أن الشركة ستبدأ إجراءات الطرح العام الأولي قبل الصيف حتى إذا لم تتوصل برلين إلى اتفاق بشأن شراء حصة داخل المجموعة. الرسالة عكست حالة إحباط متزايدة لدى العائلات الألمانية المالكة لنصف الشركة، والتي تسعى إلى بيع جزء من حصصها والاستفادة من الارتفاع القياسي في تقييمات شركات الدفاع الأوروبية. وبحسب التقارير، فإن ملاك الشركة الألمان لم يعودوا مستعدين لانتظار الخلافات السياسية داخل حكومة المستشار فريدريش ميرتس.
خوف ألماني من الهيمنة الفرنسية
أحد أكبر مخاوف برلين يتمثل في أن يؤدي الطرح العام دون اتفاق مسبق إلى بقاء الدولة الفرنسية أكبر مساهم منفرد داخل الشركة، وهو ما قد يمنح باريس نفوذاً واسعاً على القرارات الاستراتيجية الخاصة بالإنتاج العسكري والتكنولوجيا ومواقع التصنيع. ألمانيا ترى أن “كيه إن دي إس” تمثل جزءاً حساساً من أمنها القومي، خصوصاً أنها المورد الرئيسي لدبابات “ليوبارد 2” للجيش الألماني. ولهذا تسعى الحكومة الألمانية للحصول على حصة كبيرة تضمن توازن النفوذ مع فرنسا داخل المجموعة الدفاعية المشتركة.
خلافات داخل حكومة ميرتس تعطل الصفقة
المفاوضات داخل الحكومة الألمانية نفسها أصبحت جزءاً من الأزمة، حيث يطالب الاقتصاد الألماني بحصة تبلغ 30% قبل الطرح، بينما يدفع وزارة الدفاع نحو 40% تحسباً لأي تخفيف مستقبلي للحصص بعد الإدراج في البورصة. كما تطالب برلين باريس بتقديم ضمانات واضحة بشأن خفض حصتها هي الأخرى حتى يبقى التوازن قائماً بين البلدين. هذه الخلافات عطلت المفاوضات مع المساهمين العائليين وأثارت مخاوف من ضياع الفرصة على ألمانيا إذا تحركت الشركة نحو البورصة دون اتفاق نهائي.
طفرة الدفاع الأوروبية تشعل شهية المستثمرين
الطرح المحتمل يأتي في توقيت يشهد ارتفاعاً ضخماً في أسهم شركات الدفاع الأوروبية مع زيادة الإنفاق العسكري في القارة بعد الحرب الروسية الأوكرانية. المستثمرون يتدافعون نحو شركات السلاح وسط توقعات بعقود ضخمة خلال السنوات المقبلة، وهو ما شجع ملاك “كيه إن دي إس” على استغلال اللحظة لتحقيق أكبر عائد ممكن. ومع أن بعض أسهم القطاع شهدت تراجعاً مؤخراً، فإن التوقعات ما تزال تشير إلى اهتمام استثماري كبير بالشركة عند إدراجها.
ملفات فساد وتحقيقات تزيد التعقيد
الأزمة لا تتعلق فقط بالصراع السياسي والمالي، بل تواجه الشركة أيضاً تحقيقات حساسة مرتبطة باتهامات رشى في صفقة تعود إلى عام 2013 مع القوات المسلحة القطرية. الشركة كانت قد أمرت بفتح تحقيق مستقل في القضية، بينما ينتظر المدققون الماليون نتائج التحقيق قبل اعتماد الحسابات النهائية. هذه التطورات تضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام عملية الطرح العام، خصوصاً أن أي شبهات فساد قد تؤثر على ثقة المستثمرين وسعر السهم عند الإدراج.
مشروع أوروبي تحت ضغط الانقسامات
التوتر حول “كيه إن دي إس” يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الدفاعية بين فرنسا وألمانيا خلافات متزايدة، خاصة بشأن مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية الذي يواجه تعثراً بسبب النزاع بين “إيرباص” و”داسو”. هذه الخلافات تثير تساؤلات حول قدرة أوروبا على بناء صناعة دفاعية موحدة ومستقلة عن الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية على حدود القارة.
سباق التسلح الأوروبي يدخل مرحلة جديدة
ما يحدث مع “كيه إن دي إس” يكشف أن أوروبا دخلت فعلياً مرحلة جديدة من سباق التسلح وإعادة بناء القدرات العسكرية. الحكومات الأوروبية تضخ مئات المليارات في تحديث جيوشها، بينما تتحول شركات السلاح إلى أهداف استراتيجية تتنافس الدول على السيطرة عليها. ولهذا فإن معركة السيطرة على “كيه إن دي إس” ليست مجرد صفقة اقتصادية، بل جزء من صراع أوسع على مستقبل القوة العسكرية الأوروبية خلال العقود المقبلة.



