التيليجراف البريطانية: الملياردير الأوكراني الذي وجّه ضربة موجعة لبوتين من قلب الجبهة
تسلّط التيليجراف البريطانية الضوء على واحدة من أكثر القصص لفتًا للانتباه في الحرب الأوكرانية، حيث يتحول رأس المال إلى قوة قتالية، ورجل الأعمال إلى قائد ميداني. فوسط حرب استنزاف طويلة وضغوط عسكرية وسياسية متصاعدة، برز اسم فيسيفولود كوجيمياكو، ملياردير الحبوب الأوكراني، بوصفه رمزًا غير تقليدي للمقاومة. الرجل الذي اعتاد إدارة الصفقات والأسواق العالمية استبدل بدلته العسكرية بزي القتال، وأسّس كتيبة باتت اليوم من أكثر الوحدات فاعلية وخطورة في الجيش الأوكراني. نجاح كتيبة “خارتيـا” في استعادة مدينة كوبيانسك لم يكن مجرد إنجاز عسكري، بل رسالة سياسية ومعنوية في توقيت بالغ الحساسية، داخليًا وخارجيًا، خصوصًا مع احتدام النقاشات الدولية حول مستقبل الدعم الغربي لكييف.

من البيانو إلى ساحة القتال
في مشهد يعكس التناقض الحاد بين الماضي والحاضر، جلس كوجيمياكو في فندق معتم بمدينة خاركيف يعزف مقطوعة “Für Elise” لبيتهوفن، مرتديًا كامل الزي العسكري. لم يكن المشهد استعراضيًا، بل تعبيرًا عن تحوّل جذري في حياة رجل قال بوضوح: “كنت رجل أعمال، واليوم أنا قائد وحدة عسكرية”. هذا التحول يعكس طبيعة الحرب في أوكرانيا، حيث اندمجت النخب الاقتصادية مباشرة في المجهود الحربي، ليس عبر التمويل فقط، بل من خلال القيادة والتنظيم وصناعة القرار على الأرض.

كتيبة خارتيـا… من متطوعين إلى قوة نخبوية
بدأت كتيبة “خارتيـا” قبل نحو أربع سنوات كوحدة خفيفة من متطوعين مدنيين، جرى تمويلها من ثروة كوجيمياكو ودعم رجال أعمال آخرين. ومع مرور الوقت، تطورت إلى اللواء الثالث عشر، وأصبحت واحدة من أكثر الوحدات تنظيمًا وتدريبًا. هذا التطور السريع عكس نموذجًا جديدًا في الحرب، حيث ساهم التمويل الخاص في سد فجوات النقص في العتاد والتدريب، وتحويل مجموعة غير متجانسة من المدنيين إلى قوة هجومية عالية الكفاءة.

كوبيانسك… معركة الرمزية والحسم
رفع العلم الأوكراني فوق مبنى مجلس مدينة كوبيانسك لم يكن مجرد صورة دعائية، بل تتويجًا لعملية عسكرية معقدة على واحدة من أكثر الجبهات دموية. المدينة، الواقعة جنوب شرق خاركيف، كانت هدفًا مستمرًا لهجمات “مطحنة اللحم” الروسية. إلا أن عملية خارتيـا أثبتت أن التخطيط المحكم والضربات الدقيقة قادرة على كسر التفوق العددي. التقارير الاستخباراتية تحدثت عن نسبة خسائر بلغت 1 إلى 27 لصالح أوكرانيا، في رسالة قاسية لقوات بوتين.

طريقة خارتيـا… التخطيط بدل الاستنزاف
اعتمدت الكتيبة على ما بات يُعرف بـ“منهج خارتيـا”، القائم على الاستطلاع الدقيق، والمرونة، والتنسيق العالي مع المدفعية والطائرات المسيّرة. تسللت الوحدات عبر الغابات المحيطة بالمدينة، وسيطرت على نقاط حيوية مثل المعابر الحديدية وممرات الأنهار، وحولت الشوارع والمناطق الصناعية إلى مصائد نيران. الضرب ثم الانسحاب السريع أربك القوات الروسية، وأجبرها على تراجعات غير منظمة، مع تكبّد خسائر فادحة.
الملياردير المقاتل… شخصية خارج القالب
قبل الحرب، عكست حياة كوجيمياكو نمطًا بعيدًا تمامًا عن ساحات القتال: سفر، تزلج في الألب، إبحار، وسباقات ماراثون، بينها مشاركته في ماراثون نيويورك بزمن لافت. بصفته مؤسسًا ورئيسًا لمجموعة “أغروتريد”، إحدى أكبر شركات الحبوب في أوكرانيا، كان يمثل نموذج رجل الأعمال العالمي. اليوم، اختفت تلك الحياة تقريبًا، وحلّت محلها قيادة وحدة عسكرية في واحدة من أعقد الحروب في أوروبا الحديثة.

رسالة إلى واشنطن والعالم
يأتي نجاح خارتيـا في لحظة سياسية دقيقة، مع تصاعد التصريحات الأمريكية التي تشكك في جدوى استمرار الحرب. في ظل اتهامات بأن كييف غير قادرة على تحقيق اختراقات حاسمة، شكّل استعادة كوبيانسك دليلًا عمليًا على العكس. ورغم استمرار النقص في الأفراد واضطرار أوكرانيا لاستخدام وحدات “إطفاء حرائق” لسد الثغرات، فإن إنجازات مثل هذه تجعل من الصعب تصوير الجيش الأوكراني كقوة عاجزة أو راكدة، وتعيد التأكيد على قدرته على المبادرة وتغيير موازين المعركة.



