تاريخٌ طويل من التعثر: لماذا فشلت الولايات المتحدة مراراً في الشرق الأوسط؟

يمتد هذا الخلل إلى جذور أعمق تعود إلى لحظات تأسيسية في التاريخ الأميركي، عندما اعترفت إدارة ترومان بإسرائيل دون الاعتراف بدولة فلسطينية، في خطوة عارضها بشدة جنرالات كبار مثل جورج مارشال. ومنذ ذلك الحين، تشكل هذا الانحياز البنيوي الذي قاد إلى اختلال طويل الأمد في كيفية تعامل واشنطن مع الصراع العربي الإسرائيلي.
بعد أحداث 11 سبتمبر، اكتسبت إسرائيل موقعاً استثنائياً في الخطاب الأميركي باعتبارها “الحصن الأخير” ضد الإرهاب، وهو ما عزّز الحماية السياسية الممنوحة لها، ووسع دائرة الحروب الأميركية في المنطقة تحت مظلة “مكافحة التطرف”، بينما ازدادت الهشاشة الإقليمية وتراجعت فرص الحلول السياسية.
لكن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في نسخته الثانية خصوصاً، أعاد صياغة المعادلة بالكامل. فالرئيس لا يتعامل مع الشرق الأوسط بمنطق التحالفات الاستراتيجية أو القيم المشتركة، بل بمنطق الصفقة. علاقات واشنطن لم تعد مقدسة، والتاريخ لا يشكل ثقلاً على قراراته. ففي هذا الإطار، ضغط ترامب على إسرائيل للقبول بخطة سلام طرحها، وأجبر نتنياهو على الاعتذار لقطر، وصرّح بوضوح بأنه لن يسمح بضم الضفة الغربية، في خطوات غير مسبوقة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية. كما تم استبدال الدبلوماسيين المهنيين بمبعوثين مختارين على أساس الولاء الشخصي.
هذا النهج التبادلي يفتح الباب أمام احتمال كان يبدو مستحيلاً سابقاً: أن تتعامل واشنطن مع إسرائيل كدولة عادية، لا كحليف استثنائي. وهو احتمال مدفوع أيضاً بتغيّر المزاج العام داخل الولايات المتحدة، حيث تتراجع مكانة إسرائيل لدى الأجيال الشابة، بمن فيهم اليهود الأميركيون والمحافظون الجدد. ومع تأثير حرب غزة على الوعي السياسي، قد يكون التحول المقبل أكبر مما أحدثته حرب العراق قبل عقدين.
المشهد العام يشير إلى لحظة إعادة تشكيل. الشرق الأوسط الذي عرفته واشنطن لم يعد قائماً، وواشنطن نفسها لم تعد تتصرف وفق قواعد الماضي. مستقبل العلاقة مع إسرائيل، ومستقبل الدور الأميركي في المنطقة، أصبحا مفتوحين على احتمالات غير مألوفة، في ظل إدارة لا ترى العلاقات الدولية سوى من منظور الربح والخسارة، لا الامتيازات التاريخية.



