فايننشال تايمز: شبكة خارج الرادار: تحقيق يكشف الروابط الخفية بين فنزويلا وحزب الله
تكشف تحقيقات صحفية موسّعة نشرتها فايننشال تايمز عن ملامح علاقة معقّدة وخطيرة جمعت بين النظام الفنزويلي وجماعة حزب الله اللبنانية، في شبكة تعاون غير معلنة امتدت عبر آلاف الكيلومترات وربطت أميركا اللاتينية بالشرق الأوسط. هذه العلاقة، التي تشكلت على مدار سنوات من العزلة الدولية والعقوبات الأميركية، لم تقتصر على تقارب سياسي أو أيديولوجي، بل تطورت إلى شراكات سرّية شملت أنشطة مالية غير مشروعة، وتهريب مخدرات، وتسهيلات لوجستية، واستخدام وثائق رسمية فنزويلية. ومع إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل القوات الأميركية، عادت هذه الروابط إلى دائرة الضوء، وسط تساؤلات دولية حول حجم النفوذ الذي تمكن حزب الله من ترسيخه داخل مؤسسات دولة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وما إذا كانت هذه الشبكة لا تزال تعمل حتى اليوم.
لقاء دمشق السري: بداية خيوط العلاقة
في عام 2007، وأثناء توليه منصب وزير خارجية فنزويلا، قام نيكولاس مادورو بزيارة رسمية إلى دمشق في طريقه إلى طهران، في جولة هدفت ظاهريًا إلى تعزيز العلاقات مع دول معادية لواشنطن. غير أن مصادر مطلعة كشفت أن الزيارة تضمنت لقاءً سريًا في أحد فنادق العاصمة السورية مع قيادي بارز في حزب الله، في أول تواصل مباشر معروف بين مادورو والجماعة اللبنانية. هذا اللقاء، الذي بقي بعيدًا عن الأضواء لسنوات، مثّل نقطة تحول في مسار العلاقات، حيث فتح الباب أمام تعاون أمني ومالي غير معلن، مستفيدًا من تقاطع المصالح بين كاراكاس وطهران، ومن حاجة الطرفين إلى تجاوز العقوبات الأميركية بوسائل غير تقليدية.
اتهامات واشنطن: مخدرات وتمويل غير مشروع
لطالما اتهمت الإدارات الأميركية، خصوصًا الجمهورية منها، مسؤولين فنزويليين بالتواطؤ مع حزب الله في أنشطة تشمل تهريب المخدرات وتبييض الأموال وتمويل شبكات غير مشروعة. ومع اعتقال مادورو، وُجهت إليه اتهامات خطيرة تتعلق بـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» والتآمر لاستيراد كميات ضخمة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى حيازة أسلحة. ورغم أن لوائح الاتهام لم تذكر حزب الله صراحة، فإن مسؤولين أميركيين بارزين أكدوا أن فنزويلا تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى بيئة حاضنة لنشاط الجماعة، بالتنسيق مع إيران، في ما اعتبرته واشنطن تهديدًا مباشرًا لأمن نصف الكرة الغربي.
مشروع كاساندرا: وثائق وشهادات استخباراتية
أحد أبرز الأدلة على هذه العلاقات جاء من تحقيق ضخم أطلقته وكالة مكافحة المخدرات الأميركية عام 2008 تحت اسم «مشروع كاساندرا»، والذي ركز على شبكات حزب الله الدولية. التحقيق كشف عن استخدام جوازات سفر فنزويلية منحت لعناصر مرتبطة بالجماعة، إضافة إلى دور شركة الطيران الحكومية «كونفياسا» في نقل أموال نقدية ضخمة وشحنات مخدرات إلى الشرق الأوسط. مسؤولون سابقون في الوكالة أكدوا أن هذه العمليات لم تكن لتتم دون علم شخصيات نافذة داخل النظام الفنزويلي، معتبرين أن الدولة وفّرت غطاءً دبلوماسيًا ولوجستيًا لأنشطة عابرة للحدود.
الجوازات، الجاليات، والجزر الحرة
تشير التحقيقات إلى أن حزب الله استفاد من الجالية اللبنانية الكبيرة في فنزويلا وأميركا اللاتينية، حيث اعتمد على شبكات عائلية وعشائرية لتسهيل أنشطته المالية. كما برزت جزيرة مارغريتا، المنطقة الحرة قبالة الساحل الفنزويلي، كمركز رئيسي لنشاطات تبييض الأموال. وتحدث مسؤولون استخباراتيون عن منح آلاف الهويات والوثائق الرسمية لأشخاص من أصول شرق أوسطية، بإشراف شخصيات سياسية بارزة، من بينها نائب الرئيس السابق طارق العيسمي، الذي فُرضت عليه عقوبات دولية لاحقًا بتهم فساد والتحايل على العقوبات.
العملات الرقمية واستمرار الشبكة
ورغم انتهاء «مشروع كاساندرا» رسميًا في 2016، فإن مؤشرات عدة تؤكد استمرار الروابط حتى اليوم. فقد كشفت دعاوى قضائية أميركية حديثة عن استخدام شبكات مرتبطة بحزب الله داخل فنزويلا لمنصات العملات الرقمية في تهريب عشرات الملايين من الدولارات، مستفيدة من ضعف الرقابة وتواطؤ أطراف محلية. كما أظهرت تحقيقات مالية حديثة تعامل محافظ رقمية فنزويلية مع شبكات خاضعة لعقوبات أميركية، مرتبطة بإيران وحلفائها. ويثير ذلك تساؤلات جدية حول مدى تأثير اعتقال مادورو على هذه الشبكات، وما إذا كانت البنية التي سمحت بنموها لا تزال قائمة داخل مؤسسات الدولة.



