هدنة لبنان وإسرائيل على حافة الانهيار: واشنطن تمدد الاتفاق 45 يومًا وسط قصف عنيف على صور


وفقًا لتقرير نشرته وكالة “أسوشيتد برس”، أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان لتمديد وقف إطلاق النار الهش بين الجانبين لمدة 45 يومًا إضافية، بعد جولة مفاوضات وصفتها واشنطن بـ”المثمرة” جرت على مدار يومين في العاصمة الأمريكية. إلا أن هذا الإعلان جاء بالتزامن مع تصعيد عسكري جديد في جنوب لبنان، حيث شن الجيش الإسرائيلي غارات على مدينة صور ومناطق مجاورة بدعوى استهداف بنى تحتية تابعة لحزب الله، ما أسفر عن سقوط عشرات الجرحى بينهم أطفال وعاملون في القطاع الطبي. التطورات الأخيرة تعكس حجم التعقيد الذي يحيط بالهدنة الحالية، في ظل استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران وحزب الله، ومحاولات أمريكية لمنع انزلاق الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى مواجهة أوسع قد تشعل المنطقة بالكامل.
واشنطن تقود مفاوضات تمديد الهدنة
الإدارة الأمريكية لعبت دورًا محوريًا في التوصل إلى تمديد جديد لوقف إطلاق النار، بعدما كانت الهدنة الحالية مهددة بالانتهاء خلال أيام. وزارة الخارجية الأمريكية أكدت أن المباحثات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي كانت “إيجابية”، وأن جولة جديدة من التفاوض ستُعقد مطلع يونيو المقبل. التحرك الأمريكي يعكس قلقًا متزايدًا من انهيار التهدئة وتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مواجهة مفتوحة، خاصة مع استمرار التوترات المرتبطة بالحرب الإقليمية الأوسع. واشنطن تسعى إلى تثبيت “هدوء مؤقت” يسمح بمنع التصعيد، لكنها تواجه واقعًا معقدًا يتمثل في استمرار العمليات العسكرية المتبادلة وغياب اتفاق سياسي شامل.
الغارات على صور تكشف هشاشة الاتفاق
رغم الإعلان عن تمديد الهدنة، شن الجيش الإسرائيلي غارات على مدينة صور ومحيطها في جنوب لبنان، بعد إصدار أوامر إخلاء لسكان بعض المناطق. إسرائيل قالت إن الضربات استهدفت مواقع وبنى تحتية تابعة لحزب الله، بينما أكدت وزارة الصحة اللبنانية إصابة عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال وطواقم طبية. كما تعرض مركز رعاية صحية للقصف، إلى جانب أضرار لحقت بمستشفى قريب. هذه التطورات تعكس أن الهدنة الحالية لا تزال هشة للغاية، وأن الميدان العسكري ما زال مفتوحًا أمام احتمالات الانفجار في أي لحظة، رغم المساعي الدبلوماسية الجارية.
حزب الله وإيران في قلب الأزمة
رغم أن حزب الله ليس طرفًا مباشرًا في مفاوضات وقف إطلاق النار، فإن وجوده وتأثيره العسكري والسياسي يجعلان أي اتفاق مرتبطًا بشكل غير مباشر بموقفه وموقف إيران الداعمة له. طهران كانت قد طالبت بوقف دائم لإطلاق النار في لبنان قبل أي اتفاق أوسع مع واشنطن، في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط على إيران في ملفات متعددة. هذا التشابك بين الساحة اللبنانية والملفات الإقليمية يجعل الهدنة الحالية جزءًا من معادلة أكبر تتعلق بالنفوذ الإيراني في المنطقة، ومستقبل التوازنات الأمنية على حدود إسرائيل الشمالية.
لبنان بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج
الحكومة اللبنانية تواجه تحديات معقدة في ظل استمرار التوترات الأمنية والضغوط الاقتصادية والسياسية. رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام دعا إلى دعم عربي ودولي لتعزيز موقف بيروت في المفاوضات مع إسرائيل، مؤكدًا ضرورة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني. تصريحات سلام حملت أيضًا انتقادًا غير مباشر لحزب الله، من خلال رفض “المغامرات” التي تخدم مشاريع خارجية. هذا الموقف يعكس الانقسام الداخلي اللبناني بشأن دور الحزب، خاصة مع تصاعد المخاوف من جر البلاد إلى حرب جديدة قد تكون نتائجها كارثية على الاقتصاد والبنية التحتية والاستقرار السياسي.
إسرائيل تبحث عن “أمن طويل الأمد”
من الجانب الإسرائيلي، تؤكد تل أبيب أن أي اتفاق يجب أن يضمن أمن الحدود الشمالية ومنع تكرار الهجمات عبر الحدود. السفير الإسرائيلي في واشنطن وصف المفاوضات بأنها تحمل “إمكانات كبيرة”، لكنه أقر بوجود “صعود وهبوط” في المسار التفاوضي. إسرائيل ترى أن حزب الله ما زال يمثل تهديدًا مباشرًا، وتعتبر أن استمرار وجوده العسكري قرب الحدود يشكل خطرًا استراتيجيًا. لذلك تحاول تل أبيب استغلال الضغوط الدولية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني بما يمنحها هامشًا أوسع من الردع.
تحليل: هل تمنع الهدنة حربًا إقليمية جديدة؟
تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يومًا يمنح الأطراف فرصة مؤقتة لاحتواء التصعيد، لكنه لا يعالج جذور الأزمة. المنطقة لا تزال تعيش على وقع توتر إقليمي واسع يشمل إيران وإسرائيل وملفات متعددة تمتد من غزة إلى لبنان والخليج. استمرار الغارات الإسرائيلية بالتزامن مع المفاوضات يكشف أن الاتفاق الحالي أقرب إلى “إدارة أزمة” وليس تسوية نهائية. السيناريو المتوقع خلال الأسابيع المقبلة يتمثل في استمرار التهدئة الهشة مع احتمالات متكررة للتصعيد المحدود، إلا أن أي خطأ ميداني أو استهداف واسع قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أكبر يصعب احتواؤها دبلوماسيًا.



