القاهرة وأنقرة تتجهان نحو شراكة استراتيجية شاملة بعد عام من التقارب السياسي

تشهد العلاقات المصرية التركية مرحلة من الزخم غير المسبوق بعد سنوات من التباعد السياسي، إذ تسعى القاهرة وأنقرة اليوم لتأسيس شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي. وتأتي زيارة وزير الخارجية والهجرة المصري الدكتور بدر عبد العاطي إلى أنقرة، الثالثة له خلال عام واحد، لتجسد هذا التقارب المتنامي وتعكس حرص الجانبين على تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون مؤسسي في مختلف المجالات. وتزامن الاجتماع الأول لمجموعة التخطيط المشتركة بين البلدين مع مرحلة مفصلية في العلاقات الثنائية، عقب تبادل الزيارات الرئاسية في عام 2024 وإعادة تفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى. هذا التحول يعيد رسم ملامح التوازن الإقليمي في شرق المتوسط، في وقت تتقاطع فيه مصالح القاهرة وأنقرة في ملفات الطاقة والأمن والتنمية، وسط إدراك متبادل لأهمية بناء نموذج تعاون واقعي ومستدام بين دولتين مركزيتين في المنطقة.
مرحلة جديدة من التقارب الثنائي
أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن العلاقات بين مصر وتركيا تشهد طفرة نوعية تعكس عمق الروابط التاريخية بين البلدين، موضحًا أن اللقاءات المتكررة بين مسؤولي الجانبين تُترجم إرادة سياسية واضحة لتعزيز التعاون الاستراتيجي. وأشار خلال ترؤسه الاجتماع الأول لمجموعة التخطيط المشتركة مع نظيره التركي هاكان فيدان، إلى أن الزيارتين المتبادلتين للرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان في عام 2024 أسستا لمرحلة جديدة من الشراكة. كما أعاد تفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي وتوقيع خمس عشرة مذكرة تفاهم تشكيل الإطار المؤسسي للتعاون، بما يمهّد لحقبة من العمل المشترك في القضايا الإقليمية والتنموية.
شراكة متعددة الأبعاد
أوضح عبد العاطي أن اجتماعات كبار المسؤولين في أنقرة تناولت مجالات التعاون في قطاعات التجارة والاستثمار والتنمية الاقتصادية والطاقة والثروة المعدنية والنقل والصناعة والتعليم والسياحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. واعتبر أن نتائج هذه المباحثات تشكل قاعدة قوية للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الكاملة، مشددًا على أهمية ترجمة التفاهمات السياسية إلى مشاريع تنفيذية تحقق منفعة ملموسة للشعبين. كما أشار إلى توافق الرؤى بين البلدين حول ضرورة تطوير بنية التعاون المؤسسي وتكامل الجهود في دعم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يعكس إدراكًا متبادلًا لدور مصر وتركيا كقوتين محوريتين في الشرق الأوسط.
تخطيط للمستقبل ومتابعة دقيقة
أكد الوزير المصري أن انعقاد مجموعة التخطيط المشتركة يندرج ضمن الإعداد لعقد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في القاهرة عام 2026، مشيرًا إلى أن ذلك يعكس التزام القيادة السياسية في البلدين بدفع التعاون إلى آفاق أرحب. كما دعا إلى استمرار التنسيق بين الوزارات والهيئات المختصة لضمان متابعة دقيقة لما تم التوصل إليه، وتحويل التفاهمات إلى برامج عمل واقعية. وأشاد عبد العاطي بمستوى التشاور القائم بين القاهرة وأنقرة حول القضايا الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن هذا التفاهم يمهّد لبناء شراكة نموذجية تسهم في ترسيخ السلام والتنمية في المنطقة.
نحو نموذج إقليمي جديد
يعكس التقارب المصري التركي الراهن إدراك الطرفين لأهمية تجاوز الخلافات القديمة وبناء علاقة متوازنة قائمة على المصالح المشتركة. فالتغيرات المتسارعة في الإقليم، من أزمات الطاقة إلى الصراعات في الشرق الأوسط، دفعت القاهرة وأنقرة إلى إعادة تقييم استراتيجياتهما بما يحقق استقرارًا طويل الأمد. ومن شأن الزخم الحالي في العلاقات أن يفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات الاستثمار والربط اللوجستي والطاقة المتجددة. ومع التوجه نحو عقد الاجتماع المقبل لمجلس التعاون في القاهرة، يبدو أن البلدين يسعيان لترسيخ نموذج إقليمي جديد يقوم على الشراكة الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن الاستقطاب.



