تقرير | قراءة جديدة في “السلام غير الليبرالي” بآسيا الوسطى: هدوء ظاهري بظل طويل من الأزمات منذ نهاية الحرب الباردة،
بدت آسيا الوسطى وكأنها منطقة نجحت في تفادي الانزلاق إلى دوامات العنف الواسع التي ضربت أقاليم أخرى مجاورة، رغم كونها محاطة بدول استبدادية وتعاني إرثًا ثقيلًا من الانقسامات الإثنية والاقتصادية والأمنية. فالتوقعات المتشائمة في تسعينيات القرن الماضي بشأن انتشار السلاح النووي أو تفجر النزاعات العرقية، ثم المخاوف اللاحقة من تصاعد التطرف والإرهاب، لم تتحقق على النحو الذي كان متوقعًا. هذا الواقع دفع باحثين إلى توصيف الحالة الأمنية في المنطقة بمفهوم “السلام غير الليبرالي”، وهو نمط من الاستقرار القائم على القبضة السلطوية وإدارة الصراعات بالقوة لا بالتوافق. إلا أن التحولات السياسية الإقليمية، والاندماج المتزايد بين دول المنطقة، إلى جانب تداعيات الحرب في أوكرانيا وتصاعد التنافس الدولي، تفرض اليوم إعادة تقييم هذا النموذج، والسؤال عمّا إذا كان قادرًا على الصمود أمام تحديات أكثر تعقيدًا، وعلى رأسها الأزمات البيئية وشح المياه.
مفهوم السلام غير الليبرالي: استقرار بالقوة لا بالتوافق
يقوم مفهوم السلام غير الليبرالي على إدارة الصراعات من أعلى إلى أسفل عبر أدوات الدولة السلطوية، بما يشمل القمع، والضبط الأمني، وشبكات المحسوبية، بدلًا من الحوار المجتمعي والمؤسسات الديمقراطية. في آسيا الوسطى، جرى اعتماد هذا النموذج كآلية أساسية لضمان الاستقرار، مع إعطاء الأولوية لأمن الأنظمة السياسية على حساب الحقوق والحريات. وقد وجدت هذه المقاربة قبولًا إقليميًا، مدعومة بتقارب أنماط الحكم بين دول المنطقة، وبمظلة غير مباشرة من روسيا والصين، اللتين تريان في هذا النموذج بديلًا عمليًا لما تعتبرانه “فشلًا” للسلام الليبرالي الغربي.
تحولات سياسية إقليمية تعيد تشكيل المشهد
شهدت آسيا الوسطى خلال العقد الأخير تحولات لافتة، أبرزها الانفتاح النسبي في أوزبكستان بعد حقبة إسلام كريموف، مقابل التراجع الديمقراطي الواضح في قيرغيزستان تحت حكم صادير جاباروف. بالتوازي، اتجهت دول المنطقة إلى تعزيز التعاون الإقليمي من خلال اتفاقيات تجارية وإدارية مشتركة، في محاولة لتقليل الاعتماد على القوى الكبرى. هذه التحولات، إلى جانب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، دفعت قادة آسيا الوسطى لإعادة ترتيب أولوياتهم الأمنية والسياسية، مع الحفاظ على جوهر الحكم السلطوي كضامن أساسي للاستقرار.
النزاعات بين الدول: تسويات فوقية وغياب المشاركة الشعبية
مثلت الاشتباكات الحدودية بين طاجيكستان وقيرغيزستان في 2021 و2022 أول صدام مباشر بين دولتين في آسيا الوسطى منذ الاستقلال. ورغم خطورتها، انتهت الأزمة بتسوية سريعة، تُوجت بترسيم الحدود بشكل كامل لاحقًا، في خطوة عكست قدرة الأنظمة السلطوية على فرض حلول حاسمة. إلا أن هذه النجاحات الرسمية جاءت على حساب المشاركة المجتمعية، خصوصًا في المناطق الحدودية الحساسة مثل وادي فرغانة، ما يثير مخاوف من أن يكون الاستقرار الحالي هشًا على المستوى المحلي، وقابلًا للاهتزاز عند أول اختبار اجتماعي حقيقي.
الصراعات الداخلية: القمع يمنع الانفجار ولا يعالج الجذور
على المستوى الداخلي، نجحت الأنظمة في احتواء الاحتجاجات والصراعات العرقية عبر استخدام القوة، كما حدث في قيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان. غير أن هذه المقاربة لم تُزل الأسباب البنيوية للتوتر، مثل التهميش، وعدم المساواة، وغياب التمثيل السياسي الحقيقي. فالأحداث الدموية في كاراكالباكستان وغورنو-باداخشان عام 2022 كشفت حدود السلام غير الليبرالي، وأظهرت أن القمع قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يمنعه بالضرورة إذا تراكمت المظالم دون حلول حقيقية.
التكامل الإقليمي ودور القوى الكبرى
شهدت المنطقة توسعًا ملحوظًا في التعاون الإقليمي، مدفوعًا جزئيًا بالاستثمارات الصينية، ورغبة دول آسيا الوسطى في تنويع شراكاتها بعيدًا عن الهيمنة الروسية التقليدية. ومع ذلك، لا يزال هذا التعاون محكومًا بإطار أمني سلطوي مشترك، يرى في الاستقرار هدفًا بحد ذاته، لا نتيجة لإصلاحات سياسية أو اجتماعية. هذا النموذج عزز قدرة الأنظمة على التنسيق في مواجهة الأزمات، لكنه أبقى المجتمعات خارج دائرة صنع القرار.
أزمة المياه: الاختبار الأصعب للسلام غير الليبرالي
تمثل ندرة المياه التحدي الأكبر الذي يلوح في أفق آسيا الوسطى، خصوصًا مع تزايد الضغوط على نهري سير داريا وآمو داريا. ويبرز مشروع قناة قوش تيبا في أفغانستان كنقطة توتر محتملة، إذ يهدد بتقليص حصص المياه لدول المصب دون آليات تعويض واضحة. ورغم أن الإطار السلطوي المشترك قد يسهل التفاوض شكليًا، فإن غياب الثقة التاريخية والتباينات الأيديولوجية، خاصة مع طالبان، يجعل إدارة الأزمة معقدة، وقد يكشف هشاشة السلام القائم إذا تحولت أزمة المياه إلى صراع وجودي.



