حرب المسيّرات الصينية في أوكرانيا |تقرير: The Diplomat

لم تعد الحرب الدائرة في أوكرانيا تُخاض بالمدرعات الثقيلة أو الطائرات المقاتلة وحدها، بل تحولت خلال وقت قصير إلى ساحة اختبار مفتوحة لحرب من نوع جديد، تقودها الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وعالية الفعالية. ففي هذا الصراع، أصبحت المسيّرات هي الأداة اليومية لإدارة المعركة، من الاستطلاع وتوجيه المدفعية إلى تنفيذ الضربات الدقيقة وإرباك الدفاعات الجوية. وبينما تتجه الأنظار عادة إلى روسيا وأوكرانيا والداعمين الغربيين، يبرز فاعل صامت لكنه بالغ التأثير: الصين.
بكين لم تُطلق رصاصة واحدة، لكنها موجودة في كل تفاصيل هذه الحرب، عبر هيمنتها شبه المطلقة على سلاسل توريد الطائرات المسيّرة ومكوناتها. هذا الدور غير المباشر جعل الصين لاعبًا استراتيجيًا لا غنى عنه للطرفين، وكشف عن نمط جديد من القوة الدولية قائم على التكنولوجيا المدنية ذات الاستخدام المزدوج، وليس التدخل العسكري المباشر.
المسيّرات تغيّر قواعد الحرب الحديثة
أحد أكثر التحولات لفتًا للنظر في الحرب الأوكرانية هو السرعة التي أصبحت بها المسيّرات قلب العمليات العسكرية. ما بدأ كغزو بري تقليدي، تطور إلى صراع تتحكم فيه طائرات بدون طيار رخيصة الثمن نسبيًا لكنها شديدة التأثير. هذه المسيّرات لا تحل محل الدبابات والطائرات فحسب، بل تتفوق عليها في بيئات القتال المكتظة والمعقدة.
الميزة الحاسمة لهذه الأدوات لا تكمن في قوتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على التكيف وسهولة تعويض خسائرها. ومع معدلات تدمير تصل إلى آلاف المسيّرات شهريًا، لم تعد الجودة وحدها هي العامل الفاصل، بل القدرة على الإنتاج السريع والتوريد المستمر. وهنا، برز التفوق الصيني بوصفه عنصرًا لا يمكن تجاهله.
الرؤية الصينية للحرب الذكية
قبل اندلاع الحرب بسنوات، كانت العقيدة العسكرية الصينية تتحدث صراحة عن الانتقال إلى ما تسميه “الحرب المؤتمتة والذكية”، حيث تلعب الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة دور العمود الفقري للقتال. في هذا التصور، لا تُعد المسيّرات أدوات مساندة، بل مكونات أساسية في كل المجالات: البر والجو والبحر والفضاء والسيبرانية.
تعامل بكين مع المسيّرات يعكس فلسفة عسكرية قائمة على الحلول غير المتكافئة منخفضة التكلفة، القادرة على تحييد تفوق الخصوم التكنولوجي. كما أن دمج هذه التقنيات ضمن نموذج “الاندماج المدني-العسكري” يسمح للصين بتطوير قدراتها دون الظهور كمصدر مباشر للتسليح، وهو ما منحها هامش مناورة سياسي واسع في الصراع الأوكراني.
هيمنة صناعية صينية على ساحة المعركة
تسيطر الصين اليوم على ما بين 70 و90 في المئة من سوق المسيّرات التجارية عالميًا، وهو تفوق ينعكس مباشرة على جبهات القتال في أوكرانيا. المسيّرات الصغيرة، المتاحة تجاريًا، أصبحت العمود الفقري للعمليات اليومية، من مراقبة الخنادق إلى تنفيذ هجمات انتحارية دقيقة.
هذه الهيمنة لا تقتصر على الطائرات الجاهزة، بل تشمل كل المكونات الأساسية: المحركات، البطاريات، الكاميرات، وحدات الاتصال وأنظمة التحكم. حتى محاولات أوكرانيا توطين صناعة المسيّرات تعتمد في جوهرها على تجميع أجزاء صينية. أما روسيا، فترتبط بعلاقات أعمق مع الموردين الصينيين، ما يتيح لها نقل خبراتها الميدانية إلى بكين بشكل غير مباشر.
تغذية المجهود الحربي الروسي
رغم تأكيد الصين الرسمي أنها لا تزود روسيا بأسلحة فتاكة، تكشف التحقيقات الغربية أن الشركات الصينية باتت المورد الخارجي الأهم للتقنيات العسكرية ذات الاستخدام المزدوج. منذ عام 2022، أصبحت بكين المصدر الرئيسي للمكونات الحيوية التي يقوم عليها إنتاج المسيّرات الروسية.
هذه الإمدادات ساعدت موسكو على تطوير طائرات انتحارية وأنظمة متقدمة مقاومة للتشويش الإلكتروني، ما منحها تفوقًا مؤقتًا في بعض مراحل الحرب. وعلى الرغم من فرض الصين قيود تصدير شكلية، فإن شبكات إعادة التصدير عبر دول ثالثة سمحت باستمرار تدفق هذه التقنيات، مع تطبيق انتقائي للضوابط.
اعتماد أوكرانيا الاضطراري على الصين
في المقابل، تعتمد أوكرانيا بشكل شبه كامل على التكنولوجيا الصينية لدعم دفاعاتها. ورغم تنامي الإنتاج المحلي، تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 97 في المئة من مكونات المسيّرات الأوكرانية مصدرها الصين.
عام 2024 وحده، استوردت كييف ما يزيد على مليار دولار من المسيّرات والمعدات المرتبطة بها. كما لعبت منظمات مدنية وشبكات تطوعية دورًا حاسمًا في توفير هذه الإمدادات عبر قنوات تجارية مفتوحة. هذا الواقع خلق مفارقة استراتيجية حادة: الصين هي الداعم غير المباشر لدفاع أوكرانيا، وفي الوقت ذاته ركيزة أساسية في الحرب الجوية الروسية.
الغموض الاستراتيجي كسلاح صيني
تسمح بكين باستمرار تدفق التكنولوجيا للطرفين لعدة أسباب، أبرزها المكاسب الاقتصادية، والأهم هو المكسب الاستراتيجي. الحرب الأوكرانية تحولت إلى مختبر حي تراقب فيه الصين أداء تقنياتها في بيئة قتال عالية الكثافة.
الدروس المستخلصة، من فشل أنظمة التشويش إلى تكتيكات أسراب المسيّرات، تُستخدم بالفعل في تحديث العقيدة العسكرية الصينية، خصوصًا في سيناريوهات محتملة مثل مضيق تايوان. السيطرة على سلاسل التوريد، وليس إرسال الجيوش، باتت أداة النفوذ الجديدة، والصين تتقن هذا الدور بمهارة.
قوة بلا جنود ولا رايات
تكشف الحرب الأوكرانية عن نمط جديد من القوة الدولية، حيث لا يُقاس النفوذ بعدد الجنود أو القواعد العسكرية، بل بالتحكم في البنية التحتية التكنولوجية العالمية. الصين، عبر سيطرتها على سوق المسيّرات، أصبحت طرفًا غير مرئي لكنه حاسم في الصراع.
هذه المكانة تمنح بكين قدرة فريدة على التأثير في مسارات الحروب، واختبار مفاهيم عسكرية، وتسريع تحديث جيشها، دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة. وفي عالم يتجه بسرعة نحو الحروب غير المأهولة، تبدو الصين اليوم في موقع من يملك مفاتيح السماء.



