فضيحة تهز قطاع الطاقة البريطاني.. بريتيش غاز تدفع ملايين الجنيهات بعد استهداف العملاء الأكثر ضعفًا

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة Financial Times، وافقت شركة British Gas، إحدى أكبر شركات الطاقة في بريطانيا، على دفع غرامة مالية ضخمة تبلغ 20 مليون جنيه إسترليني، بعد أن خلصت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية “أوفجيم” إلى أن الشركة انتهكت القواعد المصممة لحماية العملاء الأكثر ضعفًا، عبر تركيب عدادات الدفع المسبق بالقوة داخل منازلهم دون موافقة واضحة. القضية التي جاءت بعد تحقيق استمر ثلاث سنوات، أعادت إلى الواجهة الجدل حول تعامل شركات الطاقة مع الأسر الفقيرة خلال أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة في المملكة المتحدة. ولم تقتصر العقوبات على الغرامة فقط، بل شملت أيضًا تعويض المتضررين وشطب ديون تصل قيمتها إلى 70 مليون جنيه إسترليني تراكمت على العملاء الضعفاء. وتثير القضية تساؤلات خطيرة حول أخلاقيات شركات الطاقة، وحدود صلاحياتها في مواجهة العملاء المتعثرين ماليًا، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تعيشها الأسر البريطانية منذ سنوات.
تحقيق استمر ثلاث سنوات يكشف تجاوزات صادمة
التحقيق الذي أجرته هيئة تنظيم الطاقة البريطانية “أوفجيم” كشف أن شركة “بريتيش غاز” لم تلتزم بالشروط القانونية الخاصة بحماية الفئات الضعيفة، خصوصًا كبار السن والمرضى والأسر ذات الدخل المحدود، عند تركيب عدادات الدفع المسبق.
وتعمل هذه العدادات بنظام الشحن المسبق، ما يعني أن الكهرباء أو الغاز ينقطعان تلقائيًا إذا نفد الرصيد، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية خطرًا حقيقيًا على الأسر الفقيرة خلال الشتاء أو في الظروف الصحية الحرجة.
الهيئة التنظيمية أكدت أن عددًا “غير مقبول” من العملاء تعرضوا لتركيب هذه العدادات دون موافقة حقيقية، في خطوة اعتبرها مراقبون استغلالًا مباشرًا للأزمة الاقتصادية التي دفعت كثيرين للتأخر في سداد الفواتير.
لماذا تُعد عدادات الدفع المسبق قضية حساسة في بريطانيا؟
أزمة عدادات الدفع المسبق تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للغضب داخل بريطانيا، خاصة بعد ارتفاع أسعار الطاقة بصورة قياسية عقب الحرب في أوكرانيا وأزمة التضخم العالمية.
وتلجأ شركات الطاقة إلى هذه العدادات عادة عندما يعجز العملاء عن سداد الفواتير، باعتبارها وسيلة لضمان تحصيل الأموال مقدمًا. لكن منظمات حقوق الإنسان تعتبر أن هذا النظام يعاقب الفقراء بشكل مباشر، لأنه يهددهم بانقطاع التدفئة والكهرباء في أي لحظة.
وخلال ذروة أزمة الطاقة، ظهرت تقارير عن دخول فرق تابعة لشركات الطاقة إلى منازل بعض العملاء بموجب أوامر قضائية لتركيب العدادات بالقوة، وهو ما أثار صدمة سياسية وإعلامية واسعة في البلاد.
غرامة ضخمة وتعويضات وشطب ديون بملايين الجنيهات
بموجب الاتفاق مع الهيئة التنظيمية، ستدفع “بريتيش غاز” مبلغ 20 مليون جنيه إسترليني لصندوق التعويضات الطوعي التابع لـ”أوفجيم”، إضافة إلى تعويض العملاء المتضررين مباشرة.
كما أعلنت الشركة شطب ديون تصل إلى 70 مليون جنيه إسترليني تراكمت على عملاء اعتُبروا من الفئات الضعيفة، في خطوة تهدف إلى احتواء الغضب الشعبي والسياسي المتصاعد.
الرئيس التنفيذي لهيئة “أوفجيم” تيم جارفيس قال إن الشركة “قصّرت بشكل واضح” في تعاملها مع عدد كبير من العملاء الضعفاء، مؤكدًا أن ما حدث لا يتوافق مع المعايير المطلوبة لحماية المستهلكين في قطاع الطاقة.
ضغوط سياسية وشعبية متزايدة على شركات الطاقة
القضية تأتي في وقت تواجه فيه شركات الطاقة البريطانية موجة انتقادات غير مسبوقة بسبب الأرباح الكبيرة التي حققتها خلال أزمة المعيشة، مقابل معاناة ملايين الأسر من ارتفاع الفواتير.
الشارع البريطاني ينظر إلى شركات الطاقة باعتبارها أحد أبرز المستفيدين من الأزمة الاقتصادية، بينما اضطرت الحكومة إلى إطلاق برامج دعم ضخمة لمساعدة الأسر على تحمل تكاليف الكهرباء والغاز.
ويرى مراقبون أن الغرامة المفروضة على “بريتيش غاز” قد تكون بداية لموجة تشديد رقابي أوسع على القطاع، خصوصًا مع تصاعد الدعوات البرلمانية لفرض قوانين أكثر صرامة لحماية المستهلكين.
ماذا يعني هذا التطور لقطاع الطاقة البريطاني؟
القضية تمثل ضربة قوية لصورة “بريتيش غاز”، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التوتر المتزايد بين شركات الطاقة والجهات التنظيمية في بريطانيا.
ومن المتوقع أن تدفع هذه الأزمة الشركات الأخرى إلى مراجعة سياساتها الخاصة بتحصيل الديون والتعامل مع العملاء المتعثرين، خوفًا من التعرض لعقوبات مماثلة أو خسائر تتعلق بالسمعة.
كما قد تؤدي القضية إلى تشديد القوانين المنظمة لتركيب عدادات الدفع المسبق، وربما فرض قيود أكبر على استخدام هذا النظام مع الفئات الضعيفة.
السيناريو المتوقع.. رقابة أشد وغضب مستمر
المتوقع خلال الفترة المقبلة أن تواجه شركات الطاقة البريطانية ضغوطًا متزايدة من الحكومة والبرلمان والرأي العام، خصوصًا إذا استمرت أزمة المعيشة وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية.
وقد تتحول قضية “بريتيش غاز” إلى نموذج يُستخدم لإعادة رسم العلاقة بين شركات الطاقة والعملاء، مع التركيز على حماية الأسر الأكثر هشاشة اقتصاديًا.
وفي حال استمرار الضغوط الشعبية، قد تضطر الحكومة البريطانية إلى فرض إصلاحات أوسع داخل القطاع، تشمل آليات تحصيل الديون، وطرق التعامل مع العملاء المتأخرين في السداد، إضافة إلى توسيع برامج الحماية الاجتماعية المتعلقة بالطاقة.



