أوروبا تضخ مليارات جديدة إلى أوكرانيا.. مساعدات عسكرية عاجلة وطائرات مسيّرة لمواجهة روسيا
وفقًا لتقرير نشره موقع بوليتيكو، يستعد الاتحاد الأوروبي للموافقة النهائية على حزمة تمويل ضخمة لأوكرانيا بقيمة تتجاوز 9 مليارات يورو خلال الشهر المقبل، في خطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من استمرار الحرب مع روسيا واستنزاف القدرات المالية والعسكرية لكييف بعد أكثر من أربع سنوات من القتال المتواصل.
وتتضمن الدفعة الأولى من القرض الأوروبي الجديد تخصيص نحو 5.9 مليارات يورو لشراء طائرات مسيّرة وأنظمة دفاعية لتعزيز قدرات الجيش الأوكراني في مواجهة القوات الروسية، إلى جانب 3.2 مليارات يورو لتغطية النفقات الحكومية العاجلة، بما يشمل رواتب الجنود والموظفين وتكاليف الإدارة والخدمات الأساسية. ويأتي هذا التمويل ضمن خطة أوروبية أوسع بقيمة 90 مليار يورو تم الاتفاق عليها نهاية العام الماضي، في محاولة لمنع انهيار الاقتصاد الأوكراني وضمان استمرار العمليات العسكرية في ظل تراجع احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية قريبة.
الاتحاد الأوروبي يفتح خزائنه لإنقاذ كييف
التحركات الأوروبية الجديدة تكشف أن بروكسل باتت تنظر إلى الحرب في أوكرانيا باعتبارها معركة طويلة الأمد تتطلب التزامًا ماليًا وعسكريًا مستمرًا. فبعد سنوات من العقوبات والدعم العسكري، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى ضخ أموال إضافية بشكل عاجل لتجنب أزمة مالية قد تعصف بالحكومة الأوكرانية خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب المسؤولين الأوروبيين، فإن كييف تواجه فجوة تمويلية ضخمة تُقدّر بنحو 135 مليار يورو خلال العام الحالي والعام المقبل، وهو ما يعني أن أوكرانيا قد تجد نفسها عاجزة عن تمويل مؤسسات الدولة والجيش إذا لم تتدفق مساعدات خارجية جديدة بسرعة.
الطائرات المسيّرة تتصدر أولويات الدعم العسكري
اللافت في الحزمة الجديدة أن الجزء الأكبر من الأموال سيذهب مباشرة إلى شراء الطائرات المسيّرة، ما يعكس التحول الكبير في طبيعة الحرب الأوكرانية خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبحت المسيّرات عنصرًا حاسمًا في الاستطلاع والهجمات الدقيقة واستهداف خطوط الإمداد والبنية العسكرية الروسية.
وترى أوروبا أن الاستثمار في هذا النوع من التكنولوجيا يمنح أوكرانيا قدرة أكبر على الصمود بتكلفة أقل مقارنة بالأسلحة التقليدية الثقيلة. كما أن التركيز على الصناعات الدفاعية المرتبطة بالمسيّرات قد يخلق شراكات صناعية وعسكرية طويلة الأمد بين كييف والدول الأوروبية.
أزمة الأموال الروسية المجمدة تعود إلى الواجهة
الخطة الأوروبية الجديدة جاءت بعد فشل المفاوضات حول استخدام الأصول الروسية المجمدة بشكل مباشر لتمويل أوكرانيا، وهي القضية التي أثارت انقسامًا داخل أوروبا بسبب المخاوف القانونية والسياسية المرتبطة بمصادرة أموال دولة ذات سيادة.
لكن بروكسل لم تغلق الباب بالكامل أمام هذا الخيار، إذ أكد قادة الاتحاد الأوروبي أنهم يحتفظون بحق استخدام الأصول الروسية المجمدة مستقبلًا إذا رفضت موسكو دفع تعويضات الحرب بعد انتهائها. وفي هذه الحالة، قد يتم تسوية القروض الأوروبية عبر تلك الأموال، ما يعني عمليًا تحميل روسيا تكلفة إعادة تمويل أوكرانيا.
أوروبا تخشى حربًا أطول واستنزافًا اقتصاديًا أعمق
رغم التفاؤل الرسمي الأوروبي، فإن كثيرًا من الدبلوماسيين والمسؤولين باتوا مقتنعين بأن الحرب لن تنتهي قريبًا، وهو ما يزيد الضغوط على الاقتصادات الأوروبية التي تواجه بالفعل أزمات تضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
كما أن استمرار الحرب يضع الحكومات الأوروبية أمام معضلة سياسية معقدة، إذ بدأت قطاعات داخل بعض الدول الأوروبية تُظهر تململًا من الإنفاق الضخم على أوكرانيا، خاصة مع تزايد الأعباء المعيشية داخليًا. ولهذا تخشى بروكسل من صعوبة تمرير حزم تمويل إضافية مستقبلًا إذا طال أمد الحرب أكثر.
واشنطن وحلفاء الغرب تحت ضغط التمويل
الاتحاد الأوروبي لا يريد تحمل العبء المالي وحده، ولذلك تسعى المفوضية الأوروبية إلى الضغط على الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا واليابان للمشاركة بشكل أكبر في سد العجز المالي الأوكراني خلال المرحلة المقبلة.
وتشير التقديرات إلى أن أي تباطؤ في تدفق الأموال الغربية قد يؤدي إلى أزمة حقيقية داخل أوكرانيا، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي. ولهذا تتحرك العواصم الغربية بسرعة لتأمين مصادر تمويل طويلة الأجل قبل وصول كييف إلى مرحلة “الاختناق المالي”.
ماذا يعني هذا التصعيد المالي والعسكري؟
الدفعة الأوروبية الجديدة تحمل رسالة واضحة مفادها أن الغرب لا يزال متمسكًا بدعم أوكرانيا، رغم ارتفاع التكلفة وتعقيد المشهد الدولي. لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم القلق الأوروبي من احتمال انهيار الوضع المالي الأوكراني إذا تراجع الدعم الغربي أو طال أمد الحرب أكثر من المتوقع.
كما أن التركيز على المسيّرات والتكنولوجيا العسكرية الحديثة يؤكد أن الحرب تدخل مرحلة جديدة تعتمد على الاستنزاف طويل المدى والحروب التقنية، وليس فقط المواجهات التقليدية المباشرة.
السيناريو الأقرب خلال الأشهر المقبلة يتمثل في استمرار تدفق الدعم الأوروبي والغربي مع تصاعد الضغوط على روسيا اقتصاديًا وعسكريًا، لكن التحدي الأكبر سيظل متعلقًا بقدرة أوروبا على الحفاظ على هذا المستوى من التمويل في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتفاقمة داخل القارة نفسها.



