لأول مرة منذ 8 سنوات.. فريق نسائي من كوريا الشمالية يصل إلى سيول وسط ترقب سياسي ورياضي غير مسبوق

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة The Guardian، وصلت بعثة نادي “نايغوهانغ” النسائي لكرة القدم من كوريا الشمالية إلى سيول للمشاركة في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للسيدات، في خطوة وُصفت بأنها تحمل أبعادًا سياسية ورياضية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. وتعد هذه الزيارة الأولى لرياضيين من كوريا الشمالية إلى الجنوب منذ ثماني سنوات، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين حالة من التوتر والتصعيد السياسي المتبادل.

ووصلت البعثة التي تضم 27 لاعبة و12 فردًا من الجهاز الفني والإداري استعدادًا لمواجهة نادي Suwon FC Women يوم الأربعاء المقبل، وسط اهتمام جماهيري وإعلامي واسع، خاصة بعد نفاد جميع تذاكر المباراة خلال أقل من 24 ساعة. وتأتي هذه الزيارة في ظل محاولات من حكومة كوريا الجنوبية لإحياء قنوات التواصل مع الشمال، رغم استمرار الخطاب العدائي المتبادل بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة.
مباراة تتجاوز حدود الرياضة
تحولت مواجهة نصف نهائي دوري أبطال آسيا للسيدات إلى حدث سياسي بامتياز، بعدما اعتبرها مراقبون اختبارًا جديدًا لإمكانية تخفيف التوتر بين الكوريتين عبر الرياضة. فالعلاقات بين البلدين تشهد جمودًا حادًا منذ سنوات، خاصة بعد أن وصفت بيونغ يانغ الجنوب بأنه “الدولة الأكثر عداءً”، مع استبعاد فكرة إعادة التوحيد التي ظلت مطروحة لعقود.
ورغم أن المباراة تُقام ضمن بطولة للأندية وليست بين منتخبات وطنية، فإنها تحمل رمزية كبيرة، خصوصًا مع عودة التواصل المباشر بين الجانبين بعد سنوات من الانقطاع الكامل تقريبًا في الأنشطة المشتركة والزيارات الرسمية.
اهتمام جماهيري غير مسبوق في كوريا الجنوبية

أظهرت الجماهير الكورية الجنوبية اهتمامًا لافتًا بالمباراة، حيث بيعت أكثر من 7 آلاف تذكرة بالكامل خلال يوم واحد فقط، وفق تقارير محلية. ويرى مراقبون أن هذا الإقبال يعكس فضولًا شعبيًا تجاه رؤية فريق قادم من دولة تُعد واحدة من أكثر الدول انعزالًا في العالم.
كما رفعت مجموعات مدنية ولافتات ترحيبية في مطار إنتشون الدولي، داعية إلى فتح صفحة جديدة من الحوار والتقارب بين الكوريتين، في مشهد نادر خلال السنوات الأخيرة التي سيطر عليها التوتر العسكري والتصريحات العدائية.
الحكومة الكورية الجنوبية تتحرك بحذر
أكدت حكومة كوريا الجنوبية أنها ستلتزم بدور محدود خلال الزيارة، باعتبار الحدث بطولة رياضية دولية، لكنها في الوقت نفسه وفرت دعمًا لوجستيًا كاملًا للبعثة الشمالية. كما خصصت وزارة الوحدة الكورية الجنوبية نحو 300 مليون وون لدعم الجماهير والأنشطة المرتبطة بالمباراة.
وتسعى سيول إلى استثمار الحدث كفرصة لتحسين المناخ السياسي ولو بشكل رمزي، خاصة في ظل دعوات الرئيس الكوري الجنوبي إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع الشمال، بعد فترة طويلة من القطيعة السياسية والتصعيد الإعلامي.
قواعد صارمة لمنع التوتر السياسي
حرص الاتحاد الآسيوي لكرة القدم على فرض قواعد تنظيمية تهدف إلى إبقاء الحدث في إطاره الرياضي فقط، حيث لن يتم عزف النشيدين الوطنيين أو رفع أي رموز سياسية، بما في ذلك “علم الوحدة الكورية” الذي استُخدم سابقًا في فعاليات رياضية مشتركة.
ويأتي هذا القرار لتجنب أي حساسيات سياسية قد تؤدي إلى توتر الأجواء، خصوصًا أن العلاقة بين البلدين ما تزال معقدة وحساسة للغاية، مع استمرار الخلافات الأمنية والعسكرية بين الجانبين.
ماذا يعني هذا الحدث سياسيًا؟
يرى محللون أن الزيارة قد تمثل بداية “دبلوماسية رياضية” جديدة بين الكوريتين، حتى وإن كانت محدودة. فالرياضة لطالما لعبت دورًا في تخفيف حدة التوتر السياسي بين الدول المتخاصمة، كما حدث سابقًا خلال الأولمبياد الشتوي عام 2018.
لكن في المقابل، يستبعد خبراء أن تؤدي هذه الخطوة وحدها إلى اختراق سياسي حقيقي، خاصة مع استمرار الخلافات النووية والعسكرية، إلى جانب التوترات الإقليمية المتصاعدة في شرق آسيا. ومع ذلك، فإن مجرد السماح بدخول بعثة رياضية من كوريا الشمالية إلى سيول يُعد مؤشرًا مهمًا على وجود رغبة — ولو مؤقتة — في إبقاء باب التواصل مفتوحًا.
السيناريو المتوقع بعد المباراة
من المتوقع أن تخضع نتائج الزيارة لتقييم سياسي وإعلامي واسع في البلدين، خاصة إذا مرت المباراة دون توترات أو حوادث سياسية. وفي حال نجاح التجربة، قد تشهد الفترة المقبلة عودة بعض الأنشطة الرياضية والثقافية المشتركة بين الكوريتين.
أما إذا تصاعدت التوترات السياسية مجددًا، فقد تبقى هذه الزيارة مجرد حدث استثنائي عابر دون أي انعكاسات طويلة الأمد على العلاقات الثنائية، التي ما تزال محكومة بحسابات أمنية معقدة وصراع سياسي ممتد منذ عقود.



