الجارديان: الدم في دارفور يُرى من الفضاء وصمت العالم

تعيش مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية حدة في العصر الحديث، بعد سقوطها بيد قوات الدعم السريع “RSF”، في مشهد دموي يذكّر بمجازر رواندا عام 1994 من حيث الوحشية المنظمة والقتل الجماعي. على مدى 18 شهرًا، ظل السكان محاصرين، يعانون من المجاعة وانقطاع الخدمات الأساسية، بينما استمر الجيش السوداني محاولة الدفاع عن آخر معاقله، إلى أن انهارت هذه المواقع لتبدأ حملة قتل جماعي واسعة تستهدف المدنيين بلا تمييز. صور الأقمار الصناعية أظهرت بقع دماء متفرقة وحرائق هائلة حول مطار الفاشر، ما يعكس حجم المأساة الذي لم يعد خفيًا على أحد. وفي أحد المستشفيات فقط، قُتل نحو 500 شخص من المرضى وذويهم، فيما تحدث شهود عن إعدامات ميدانية لعائلات كاملة، ما يجعل الفاشر اليوم نموذجًا صارخًا لأزمة إنسانية تتطلب تحركًا عاجلًا من المجتمع الدولي، قبل أن تتحول الكارثة إلى مأساة أكبر في دارفور بالكامل.
جذور الحرب السودانية
اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، بعد انهيار التحالف السياسي الذي نشأ عقب الإطاحة بعمر البشير عام 2019. الشريكان السابقان في الحكم تحوّلا إلى خصمين مسلحين يمتلكان جيوشًا مستقلة وتجهيزات عسكرية تمولها أطراف خارجية، ما حول النزاع من صراع داخلي إلى حرب واسعة معقدة على السلطة والنفوذ الاقتصادي. أسفر هذا الصراع عن مقتل أكثر من 150 ألف شخص وتشريد ملايين المدنيين، فيما يحتاج أكثر من 30 مليون سوداني إلى مساعدات عاجلة. ويشير خبراء الشؤون السياسية إلى أن الصراع يعكس انسداد أفق الحوار السياسي، وتحول النزاع إلى صراع عرقي ومناطقي، مع تعقيدات إضافية بسبب التدخل الخارجي، ما يجعل المدنيين أكثر عرضة للقتل الجماعي والتطهير العرقي، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته على حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.
دارفور مجددًا: التاريخ يعيد نفسه
سقوط الفاشر يعني سيطرة كاملة لقوات الدعم السريع على غرب السودان، وإعادة إنتاج السياسات نفسها التي انتهجتها الجنجويد في عهد البشير، بما في ذلك التطهير العرقي الممنهج ضد القبائل غير العربية. الهجمات السابقة على مخيمات النازحين في دارفور أودت بحياة مئات المدنيين، واليوم المشاهد في الفاشر تظهر قادة ميليشيا يصرحون صراحة بأن مهمتهم الوحيدة هي القتل بلا رحمة. هذا السلوك يعكس تحول دارفور إلى مسرح إبادة جماعية، حيث المدنيون محاصرون بلا حماية، ومواجهة أي تدخل إنساني صار صعبًا للغاية. ويؤكد المراقبون أن هذه المجازر المتكررة ليست مجرد أحداث عابرة، بل جزء من نمط طويل الأمد من العنف العرقي والسياسي الذي يعانيه الإقليم منذ عقود، ويشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والاستقرار في السودان.
دور الإمارات في الصراع
تشير مصادر دولية إلى أن قوات الدعم السريع تلقت دعمًا مباشرًا من الإمارات على مدى عامين، يشمل التمويل وتسليحًا متقدمًا، مستغلة خبرتها السابقة في حروب خارجية مثل اليمن. يوفر هذا الدعم إمكانيات عسكرية غير مسبوقة للميليشيا، مقابل الحصول على الذهب السوداني وتأمين نفوذ استراتيجي في إفريقيا. ورغم الأدلة المتزايدة على تورط أبوظبي، تلتزم الإمارات بالنفي الرسمي، بينما تصمت الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، حفاظًا على مصالحها الاقتصادية والعسكرية. ويشير الخبراء إلى أن هذا الدعم الخارجي يعمّق الأزمة الإنسانية ويحول دارفور إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية على حساب المدنيين الأبرياء، ما يجعل الضغوط الدولية على الممولين ضرورة عاجلة لوقف المجازر المتواصلة وحماية المدنيين.
المجتمع الدولي يرى ويصمت
تصف الكاتبة نسرين مالك ما يحدث في دارفور بأنه “جرائم تُرى من الفضاء”، مؤكدة أن العالم لم يعد قادرًا على الادعاء بالجهل. الصراع تحول من نزاع داخلي إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، حيث تمارس القوى الكبرى نفوذها ببرود، بينما يموت المدنيون بالجملة. المجتمع الدولي يختبئ خلف ذرائع الدبلوماسية، متجاهلًا مذبحة واضحة المعالم بالصور الفضائية، بينما المدنيون يواجهون الموت والتهجير يوميًا. ويشير المراقبون إلى أن غياب تحرك حقيقي من الأمم المتحدة والدول الممولة يضاعف معاناة المدنيين، ويزيد احتمالية استمرار الدعم الخارجي للميليشيا، ما يجعل من كل جهة صامتة شريكًا ضمنيًا في الجرائم، ويؤكد أن الأزمة الإنسانية في دارفور تجاوزت أي أفق للتفاوض السياسي العاجل.
مسؤولية العالم أمام الدم المرئي
الفاشر اليوم تحولت إلى ميدان إبادة جماعية محاصر، حيث يواجه السكان الموت بشكل مستمر، بينما تستمر قوات الدعم السريع في أعمال القتل بلا رادع. استمرار الدعم الخارجي، سواء عبر التمويل أو التسليح، مع غياب أي ضغوط حقيقية على الدول الممولة، يعني أن المجتمع الدولي يقف متفرجًا صامتًا أمام هذه المجازر. الدم في دارفور لم يعد يحتاج شهودًا؛ صور الأقمار الصناعية تكشف حجم المذابح وامتدادها، بينما تبقى جهود الإغاثة محدودة وغير فعالة. ويؤكد الخبراء أن غياب الاستجابة الدولية العاجلة يزيد من تعقيد الأزمة، ويطرح تساؤلات حول مسؤولية الأمم المتحدة والدول الكبرى في حماية المدنيين ومنع تكرار المجازر التاريخية في دارفور، مع تزايد الدور الإقليمي والخارجي في استمرار النزاع.



