شبكة جيفري إبستين… خيوط القوة والفضيحة في عالم “الثراء الفاسد”
تكشف دفعة جديدة من وثائق جيفري إبستين عن شبكةٍ معقّدة من رجال السياسة والمال والإعلام، نسجها رجلٌ عرف كيف يعيش على حافة “الثراء الفاحش والانحلال”، ويستفيد من كل علاقة مهما كانت مُلوّثة. أكثر من 20 ألف صفحة من المراسلات، حصل عليها الكونغرس الأمريكي، تُظهر تفاصيل جديدة عن الطريقة التي حافظ بها إبستين على نفوذه رغم إدانته الأولى عام 2008، وكيف استمر كبار الشخصيات في التواصل معه رغم سمعته المُدمّرة.
تكشف الرسائل عن علاقات متشابكة جمعت إبستين بمجموعة واسعة من الأسماء الثقيلة: لورانس سامرز وزير الخزانة الأمريكي الأسبق، ستيف بانون مستشار ترامب السابق، الملياردير ليون بلاك، وأندرو ماونتباتن-ويندسور (الأمير أندرو سابقًا). المراسلات لم تكن رسمية ولا حذرة؛ بل اتسمت بالمرح، واللغة الفجة، والجرأة التي تشير إلى شعور عميق بالحصانة.
في مراسلاته مع لورانس سامرز، بدا سامرز يتبادل المزاح مع إبستين، مشيرًا إلى حضوره مؤتمرات كبرى وواصفًا ترامب بأنه “أسعد رجل في العالم سياسيًا”. وفي رسائل 2018، وصف إبستين ترامب بأنه “مختل على حافة الجنون”، بينما كان سامرز نفسه يشير إلى قلقه من تدهور الوضع السياسي. سامرز أعرب سابقًا عن ندمه على علاقته بإبستين، لكن الرسائل تُظهر أنها استمرت سنوات بعد إدانة إبستين.
الأعمق من ذلك ما كشفته الرسائل عن علاقة إبستين بالملياردير ليون بلاك، التي تجاوزت الاستشارات المالية إلى إدارة الثروة الفنية وتخطيط الهياكل الضريبية. إبستين كتب لبلاك بأن “هناك الكثير مما فعلته لك، وهناك ما سيظل غير معروف”، مطالبًا بمدفوعات بملايين الدولارات، أو بأصول عينية كالعقارات والفنون. رسائل أخرى تكشف رغبته في السيطرة على مكتب بلاك العائلي، واصفًا موظفيه بأنهم “أطفال بحاجة لوالد يضبطهم”.
أما علاقة إبستين بالأمير أندرو فكانت عبئًا ثقيلًا على كليهما. يظهر الأمير في الرسائل قلقًا من ملاحقة الصحافة، ويطلب من إبستين نصائح حول الرد على اتهامات تتعلق بفيرجينيا غيوفر. إبستين تهرّب ساخرًا قائلاً إن “الشخص الوحيد الذي لم تكن معه علاقة هو إلفيس”، ومع ذلك أكد في مواضع أخرى صحة الصورة الشهيرة التي تجمع الأمير بغيوفر وجيسلين ماكسويل. ضغوط هذه العلاقة أنهت مستقبل الأمير العام، تمامًا كما ساهمت في تضييق الخناق على إبستين.
تظهر الوثائق أيضًا استعانة إبستين بعدد من مستشاري العلاقات العامة، من بينهم بيغي سيغال ومايكل وولف. خطط لمواجهة الإعلام كانت تتراوح بين مهاجمة مصداقية الضحايا، أو خلق “سرد مضاد” يحوّل الاهتمام نحو شخصيات مثل الأمير أندرو أو حتى ترامب. هذا النوع من التخطيط يعكس كيف حاول إبستين تطويق فضيحته عبر النفوذ الإعلامي، لكن نفوذه لم يحمِه من السقوط النهائي عام 2019.
الوثائق تعيد رسم صورة شبكة ظلّت لسنوات تعمل في مناطق رمادية: رجال مال وسياسة وثقافة يتبادلون الثقة والمصالح رغم علمهم بسمعة الرجل الذي يتواصلون معه. إنها نافذة على عالمٍ لم يكن فيه النفوذ مجرد أداة، بل عُملة يسهل تبادلها طالما أن الجميع يستفيد.



