مصر تدعو لتحرك دولي عاجل لتنفيذ قرار مجلس الأمن بشأن غزة

تُكثّف القاهرة تحرّكاتها الدبلوماسية في لحظة تُعد من أكثر اللحظات حساسية في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، خصوصًا بعد صدور قرار مجلس الأمن 2803 وما يتطلبه من إجراءات عاجلة على الأرض لضمان وقف إطلاق النار وتثبيت الاستقرار. وفي ظل التوترات المتصاعدة داخل قطاع غزة وتعقّد الأوضاع الإنسانية، تعمل مصر على حشد دعم دولي واسع لتنفيذ بنود القرار، بما يشمل سرعة تشكيل قوة الاستقرار الدولية المقترحة، واتخاذ خطوات عملية نحو إدارة انتقالية للقطاع عبر لجنة تكنوقراط فلسطينية. ويأتي ذلك بالتوازي مع التنسيق المصري–الأميركي المتواصل الهادف إلى منع انفجار الأوضاع مجددًا، ودعم المسار السياسي الذي يعيد وضع حل الدولتين على الطاولة باعتباره المخرج الوحيد القابل للاستدامة. ففي لقاء جمع وزير الخارجية والهجرة المصري الدكتور بدر عبدالعاطي مع مدير عام السياسات باللجنة اليهودية الأمريكية جاسون إيزاكسون، برزت رؤية مصر الهادفة إلى إدارة مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار بشكل ممنهج يحفظ الاستقرار ويؤسس لعملية سياسية جادة.
تنفيذ قرار مجلس الأمن 2803
شدّد عبدالعاطي خلال اللقاء على ضرورة تضافر الجهود الدولية لضمان التطبيق الفعلي لقرار مجلس الأمن 2803، معتبرًا أن سرعة تشكيل قوة الاستقرار الدولية في غزة تمثّل خطوة حاسمة لوقف الانفلات الأمني وتثبيت الترتيبات الميدانية. وأوضح أن القاهرة ترى في هذه القوة عنصرًا أساسيًا لبناء بيئة آمنة تُتيح التحرك الإنساني وتسهّل انطلاق عملية إعادة الإعمار. كما أكد الوزير أهمية المضي قدمًا في تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي ستتولى إدارة شؤون القطاع خلال المرحلة الانتقالية، في إطار تفاهمات شرم الشيخ وخطة الرئيس دونالد ترامب المتعلقة بإعادة تنظيم الوضع الإداري والأمني. ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لإيجاد إدارة فلسطينية مهنية تمهد لعودة المؤسسات الرسمية وتخفف من الفوضى، وهو ما تعتبره مصر ركيزة لبدء المرحلة الثانية من الاتفاق المعتمد دوليًا.
الشراكة المصرية–الأميركية
استعرض المتحدث باسم الخارجية السفير تميم خلاف ملامح الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن اللقاء مع المسؤول الأميركي–اليهودي جاء في سياق تنسيق سياسي واسع لدعم الاستقرار في الشرق الأوسط. وأبرز خلاف أن القاهرة وواشنطن تعملان بشكل مشترك لضمان عدم انزلاق الأوضاع في غزة إلى دوائر جديدة من العنف، بما يشمل دعم المسار الدبلوماسي وتعزيز ترتيبات الأمن الإقليمي. وأوضح أن هذا التعاون يُعد امتدادًا لدور مصر التاريخي في الوساطة واحتواء الأزمات، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. كما يأتي في إطار مساعٍ أميركية لاستطلاع رؤية مصر حول مستقبل القطاع وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، باعتبار القاهرة الطرف الأكثر قدرة على التواصل مع جميع الأطراف وتنسيق المسارات السياسية والأمنية.
الأوضاع الإنسانية وإعادة الإعمار
أعرب وزير الخارجية المصري عن قلق بالغ من تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل قطاع غزة، مجددًا التشديد على ضرورة ضمان وصول المساعدات بشكل آمن ودون عوائق، في ظل الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية. وأكد عبدالعاطي أن إعادة تأسيس شبكات الخدمات الأساسية—من كهرباء ومياه ومستشفيات وطرق—أمر لا يمكن تأجيله، لارتباطه المباشر بقدرة المدنيين على البقاء في ظل ظروف قاتمة تزداد سوءًا. وترى مصر أن تنفيذ خطة إعادة الإعمار يتطلب توفير بيئة أمنية مستقرة، إلى جانب آلية رقابة دولية تمنع عرقلة الإمدادات. كما شدد الوزير على أن التحرك الإنساني يجب أن يُكمّل المسار السياسي، لا أن يكون بديلًا عنه، لأن الحلول المؤقتة لن تمنع تكرار الدورات العنيفة ما لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة.
حل الدولتين واستدامة الاستقرار
اختتم عبدالعاطي مباحثاته بالتأكيد أن تحقيق الاستقرار الحقيقي في غزة لا ينفصل عن الحل السياسي الأشمل، وهو حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وبرأي القاهرة، فإن أي ترتيبات أمنية أو إنسانية من دون مسار سياسي واضح لن تخلق بيئة دائمة للسلام. ومن جانبه، أشاد جاسون إيزاكسون بالجهود المصرية البنّاءة في تثبيت وقف إطلاق النار ودعم الاستقرار الإقليمي، معتبرًا أن الدور المصري يظل محوريًا في أي حل مستقبلي للصراع. وفي ضوء هذا التوافق، تبدو القاهرة عازمة على دفع الأطراف الدولية نحو رؤية متكاملة تجمع بين الأمن والإنسانية والسياسة، وصولًا إلى معالجة جذور الأزمة وليس مجرد مظاهرها.



