تقرير فايننشال تايمز: هل تستطيع فنزويلا تسوية ديونها بعد سقوط مادورو؟
أعاد سقوط نيكولاس مادورو عن السلطة في فنزويلا فتح واحد من أعقد وأكبر ملفات الديون السيادية في العالم، في تطور غير مسبوق منذ أزمة اليونان التي هزّت منطقة اليورو عام 2012. فعلى مدار ما يقرب من عقد، بدا إنهاء تعثر فنزويلا المالي أمراً شبه مستحيل، في ظل العقوبات الأميركية الصارمة التي منعت البلاد من إصدار أي أدوات دين جديدة منذ عام 2017، إضافة إلى الانهيار الحاد في الاقتصاد وقطاع النفط. اليوم، ترى فايننشال تايمز أن المشهد تغيّر جذرياً، إذ بدأ المستثمرون والدائنون يستعدون لعملية إعادة هيكلة ضخمة، رغم استمرار العقبات السياسية والقانونية. وبين آمال التعافي الاقتصادي ومخاوف الصراعات الداخلية وتداخل المصالح الدولية، تقف فنزويلا أمام اختبار مصيري سيحدد مستقبلها المالي لسنوات طويلة قادمة.
حجم الدين الفنزويلي وأرقامه الغامضة
توقفت فنزويلا منذ سنوات عن نشر بيانات مالية موثوقة، ما جعل تقدير حجم ديونها مهمة معقدة. التقديرات الحالية تشير إلى أن الديون الخارجية لا تقل عن 150 مليار دولار، وقد تكون أعلى من ذلك بكثير، وهو رقم يعادل أكثر من ضعفي حجم الاقتصاد المنهك. الجزء الأكبر من هذه الديون يتمثل في السندات السيادية وسندات شركة النفط الحكومية PDVSA، التي تبلغ قيمتها الاسمية نحو 60 مليار دولار، لكنها تضخمت إلى أكثر من 100 مليار دولار نتيجة الفوائد غير المسددة منذ 2017. هذا العبء الهائل يفسر تركيز الدائنين على فرص تعافي الاقتصاد والإنتاج النفطي، باعتبارهما العامل الحاسم في تقليص نسبة الدين إلى الناتج المحلي.
السندات والتحكيم الدولي… شبكة مطالب معقدة
إلى جانب السندات، تواجه فنزويلا مطالب قانونية ضخمة ناجمة عن قضايا تحكيم دولي لشركات صودرت أصولها خلال سنوات حكم تشافيز ومادورو. هذه المطالب تُقدّر بأكثر من 20 مليار دولار، وتشمل شركات كبرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، إضافة إلى شركات تعدين ذهب. ومع خروج مادورو، شهدت أسعار السندات قفزة ملحوظة، فيما سارعت صناديق تحوط إلى شراء الأصول المرتبطة بتلك المطالب القانونية. هذا التعقيد يجعل أي عملية إعادة هيكلة أشبه بلغز مالي، حيث يتوجب الموازنة بين حقوق الدائنين المختلفين دون خنق فرص تعافي الدولة.
الديون الصينية… الغموض الأكبر
تمثل الديون الثنائية، وخاصة المستحقة للصين، أحد أكثر الملفات غموضاً. فخلال العقد الماضي، قدّمت بكين عشرات المليارات من الدولارات لفنزويلا عبر قروض مرتبطة بسداد نفطي، لكن التقديرات الحالية تشير إلى أن المتبقي منها يقارب 15 مليار دولار. المشكلة أن شروط هذه القروض غير شفافة، كما أن سدادها تعثر حتى قبل فرض العقوبات الأميركية. بعض المؤشرات، مثل المخصصات التي كوّنها بنك التنمية الصيني، تعكس أن هذه الديون باتت في وضع متعثر. ورغم المخاوف من “ديون خفية”، يرى محللون أن أي التزامات غير معلنة لن تغيّر جذرياً الصورة الكلية، نظراً لضخامة إجمالي الدين.
العقوبات الأميركية والعقبات السياسية
لا تزال العقوبات الأميركية تشكل عائقاً رئيسياً أمام بدء مفاوضات رسمية بين فنزويلا ودائنيها، إذ تمنع حتى اللقاءات الاستكشافية. ورغم أن القيادة الانتقالية برئاسة ديلسي رودريغيز أبدت استعداداً للحوار، فإن القيود القانونية والسياسية ما زالت قائمة. في الوقت نفسه، يواجه المشهد السياسي الداخلي حالة عدم يقين، مع ضغوط من تيارات متشددة داخل النظام السابق. هذا التداخل بين السياسة والمال يعقّد أي مسار تفاوضي، ويجعل توقيت إعادة الهيكلة مرتبطاً ليس فقط بالاقتصاد، بل أيضاً بمدى استقرار السلطة الجديدة وقدرتها على فرض رؤيتها.
كم سيستعيد الدائنون من أموالهم؟
تتباين تقديرات العائد المتوقع للدائنين بشكل كبير، بين 25 و60 سنتاً لكل دولار، اعتماداً على مسار الاقتصاد وأسعار النفط العالمية. فإعادة إحياء قطاع النفط، الذي يحتاج سعراً يقارب 80 دولاراً للبرميل لتحقيق التعادل، تعد شرطاً أساسياً لأي تعافٍ حقيقي. بعض المحللين يقارنون الوضع بتجربة العراق بعد صدام حسين، حيث مُني الدائنون بخسائر وصلت إلى 80 في المئة، لكن كثيرين يستبعدون تكرار هذا السيناريو. في المقابل، يرجح أن تكون الخسائر على أصل الدين في حدود 50 في المئة، مع معالجة مختلفة للفوائد المتراكمة.
أدوات مبتكرة لإعادة الهيكلة
يرى خبراء أن إعادة هيكلة ديون فنزويلا قد تعتمد على أدوات مالية مبتكرة، مثل ربط السداد بأداء الاقتصاد أو صادرات النفط، عبر ما يُعرف بـ”الضمانات المشروطة”. هذه الأدوات، التي عادت للواجهة في تجارب حديثة بدول مثل زامبيا وسريلانكا، قد تمنح الدائنين فرصة للاستفادة من أي انتعاش مستقبلي. كما يُتوقع أن تُحوَّل بعض مطالب التحكيم إلى امتيازات نفطية. في هذا السياق، تصبح الفوائد المتراكمة عاملاً محورياً في تحديد العائد النهائي، وقد ترفع نسب الاسترداد إلى مستويات أعلى مما كان متوقعاً سابقاً.



